تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ومنهم من لا يمتنع من إجازة ذلك ، ويجعله بالخيار ، يحكم بأيهما شاء . فأما القول الأول : فإنه تحكم من قائله بغير دلالة ، وذلك لأنا قد وجدنا مثل ذلك سائغا في المتحري لجهة القبلة ، وفي الشاك في الصلاة ، وفي الاجتهاد في تدبير الحروب ، والإقدام على الأمور ، وهو موجود في كثير من مسائل الاجتهاد أيضا ، فيعتدل عند المجتهد الأقوال المختلفة ، حتى لا يكون عنده لبعضها على بعض مزية . وإذا وقع ذلك كان المجهد بالخيار في الحكم بأي القولين شاء ، كأن النص ورد بمثله . فقيل له : ( احكم ) في ذلك بأي هذين الوجهين أحببت . ألا ترى أن المتحري جهة القبلة إذا استوت الجهات عنده كان له أن يصلي إلى أي الجهات شاء . ومن يأبى هذا القول ويمنع منه يذهب إلى أنه إذا كان أحد القياسين يوجب حظرا ، والآخر إباحة ، واستوى عند المجتهد القياسان ، حتى لا يكون لأحدهما مزية على الآخر ، فغير جائز أن يكون مخيرا ، لان موجب أحد القياسين : الحظر ، وموجب القياس الآخر : الإباحة . فلو انفرد كل واحد منهما على الآخر كان موجبا لحكمه . فغير جائز أن يكون وجود القياس الآخر معه موجبا للتخيير ، لان التخيير ليس هو من موجب أحد القياسين ، ( فاجتماعهما لا يوجب تخييرا ، وإنما الواجب عليه عند تعارض ) القياسين وتساويهما عنده اطراحهما ، وطلب دلالة الحكم ( من ) غيرهما ، كالخبرين المتضادين إذا نزلا بهذه المنزلة .