تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
قول الصحابي مزية ليست للآخر عند كثير ممن لا يرى أيضا تقليد الصحابي ، إذا كان قوله بخلاف ما يوجبه القياس عنده . وكذلك القياس الذي يعضده قول الخلفاء الراشدين هو أولى من قياس مخالفه قول هؤلاء الخلفاء ، إذا عارض القياس الأول ، ويكون لهذا القياس ضرب من الرجحان لقوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) . وقد يقوى أحد القياسين بأن يعضده أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو انفرد بنفسه لم يوجب حكما لضعف مخرجه ، فإذا عاضد أحد القياسين صار لهذا القياس مزية ورجحان على الآخر بهذا الخبر ، فيكون أولى . وإذا اعتل أحد الخصمين ( بعلة ) لحكم ، واعتل الآخر ( بعد ذلك لحكم ) بعلل من أصول مختلفة ، فإن من الناس من يجعل الحكم الذي عضدته علتان أولى من الآخر الذي لم يوجبه إلا علة واحدة ، ويجعله بمنزلة علة شهدت لها أصول كثيرة ، والأخرى شهد لها أصل واحد . ومنهم من يجعل العلة الواحدة معارضة للعلل الكثيرة ، ولا يوجب الترجيح بالكثرة ، وهو عندنا موضع اجتهاد يحتمله كل واحد من القولين . وإذا تعارضت علتان إحداهما مثبتة ، والأخرى نافية ، فلا مزية للمثبتة منهما على الأخرى لأجل الإثبات ، وإنما يحتاج أن يطلب وجه الترجيح من غير هذه الجهة ، لان نفيه الحكم هو حكم من النافي ، وإثبات اعتقاد منه بصحة نفيه ، وهو كما قلنا : إن النافي والمثبت متساويان في أن كل واحد منهما عليه إقامة الدلالة على صحة دعواه . ومتى اعتدل في نفس المجتهد القياسان جميعا ، وكل واحد منهما يوجب ضد الآخر ، فإن من الناس من يأبى وجود ذلك ، ويقول : إذا كان طريق استدراك الحكم من أحد هذين الوجهين ، استحال أن يخلي الله تعالى المجتهد من أن يغلب في ظنه رجحان أحدهما ، فيصير إليه .