صحت المعارضة على الشرط الذي قدمنا ، لزم المجيب حينئذ الانفصال مما عورض به
بضرب من الترجيح يبين به " أن " اعتلاله أولى من اعتلال خصمه .
ووجوه الترجيح مختلفة :
فمنها : أن المجيب إذا اعتل بعلة منصوص عليها ، فعارضه السائل بعلة مستنبطة ،
كان له أن يقول : علتي أولى ، لأنها منصوص عليها ، وعلتك مستنبطة ، ولاحظ للاستنباط
مع النص ، وذلك نحو معارضة المخالف لنا على علة نقض الطهارة بظهور النجاسة .
فإن قليل : القئ لا ينقضها ، والمعنى فيه : أنه نجاسة خارجة من غير السيل ،
ويحتج على صحة اعتلاله بأن النجاسة إذا خرجت من السيل أوجبت نقض الطهارة
وهو البول ، وإذا خرجت من غير السبيل لم توجبه ، وهو يسير القئ .
فيقال : إن اعتلالنا أولى ، لأنه مبني على علة منصوص عليها ، وهو قوله عليه السلام
في دم الاستحاضة : ( إنها دم عرق ) ، فهو أولى مما ذكرت فتسقط معارضته .
ونحو إذا اعتل في منع خيار المعتقة إذا كان زوجها حرا ، بأن الزوج كف ء في هذه
الحال ، فصار كسائر عقود النكاح ، إذا وجب فيها الكفاءة ، ولا يجب الخيار .
فنقول : إن اعتلال من اعتل لإيجاب الخيار بأنها ملكت بضعها بالعتق أولى ، لأنه
منصوص عليه ، وقوله صلى الله عليه وسلم لبريرة : ( ملكت بضعك فاختاري ) ، فكانت العلة المنصوص
عليها أولى من علة مستنبطة ، لأنه لاحظ للاستنباط مع النص .
الفصول في الأصول — صفحة 208
مساهمون: الجصاص
ص٢٠٨