إلى بارئها وقف الحسن بن علي في الناس خطيبا ثم قال : " أيها الناس . لقد
فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون ، وكان رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه بالراية جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله ،
لا ينصرف حتى يفتح الله له ، وزاد في رواية - وما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا
سبعمائة درهم من عطاء ، كان يرصدها لخادم لأهله ، ثم خنقته العبرة فبكى
وبكى الناس معه ( 1 ) .
وروى الطبري : لما إنتهى إلى عائشة قتل علي بن أبي طالب قالت :
فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر
ثم قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد . قالت :
فإن يك بك نائيا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب ابنة أبي سلمة : العلي تقولين هذا ؟ فقالت : إني أنسى فإذا
نسيت فذكروني ( 2 ) ، وكانوا قد قالوا لعائشة أيام صفين : ألا تعجبين لرجل من
الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافة ؟ فقالت : وما
تعجب من ذلك ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر ( 3 ) .
وبعد مقتل الإمام أنشد الخارجي عمران بن حطان ( 4 ) شعرا يمدح فيه قاتل
عليا فقال :
يا ضربة من تقي ما أراد بها * ألا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا ( 5 )
هامش
( 1 ) رواه أحمد بسند صحيح ( الفتح الرباني 164 / 23 ) وابن أبي شيبة وأبو نعيم وابن عساكر
وابن جرير ( كنز العمال 193 / 13 ) ، مروج الذهب 461 / 2 .
( 2 ) الطبري 67 / 6 .
( 3 ) البداية والنهاية 131 / 8 .
( 4 ) قال في الإصابة : كان من رؤوس الخوارج .
( 5 ) مروج الذهب 462 / 2 ، البداية والنهاية 329 / 7 .