تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
ويكون الاستفهام منويا قاله الفراء . وحذف حرفه للعلم به من المقام ، أو على أن اصطفى وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول . وعلى تقدير عدم الاستفهام والبدل . فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما في قوله - أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا - وقيل هو على إضمار القول ( ما لكم كيف تحكمون ) جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب : استفهمهم أولا عما استقر لهم وثبت استفهام بإنكار ، وثانيا استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به ، والمعنى : أي شئ ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات وهم القسم الذي تكرهونه ، ولكم بالبنين وهم القسم الذي تحبونه ( أفلا تذكرون ) أي تتذكرون فحذفت إحدى التاءين ، والمعنى : ألا تعتبرون وتتفكرون فتتذكرون بطلان قولكم ( أم لكم سلطان مبين ) أي حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه ، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ وانتقال من تقريع إلى تقريع . ( فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ) أي فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه ، أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة ويشتمل عليها ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) قال أكثر المفسرين : إن المراد بالجنة هنا الملائكة ، قيل لهم جنة لأنهم لا يرون . وقال مجاهد : هم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة . وقال أبو مالك : إنما قيل لهم الجنة لأنهم خزان على الجنان . والنسب الصهر . قال قتادة والكلبي : قالوا لعنهم الله : إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من أولادهم ، قالا : والقائل بهذه المقالة اليهود . وقال مجاهد والسدي ومقاتل : إن القائل بذلك كنانة وخزاعة قالوا : إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم ، فالملائكة بنات الله من سروات الجن . وقال الحسن : أشركوا الشيطان في عبادة الله ، فهو النسب الذي جعلوه . ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله ( ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ) أي علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون النار ويعذبون فيها . وقيل علمت الجنة إنهم أنفسهم يحضرون للحساب . والأول أولى ، لأن الإحضار إذا أطلق فالمراد لعذاب . وقيل المعنى : ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة . ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( سبحان الله عما يصفون ) أو هو حكاية لتنزيه الملك لله عز وجل عما وصفه به المشركون ، والاستثناء في قوله . ( إلا عباد الله المخلصين ) منقطع ، والتقدير : لكن عباد الله المخلصين بريئون عن أن يصفوا الله بشئ من ذلك . وقد قرئ بفتح اللام وكسرها ومعناهما ما بيناه قريبا . وقيل هو استثناء من المحضرين : أي إنهم يحضرون النار إلا من أخلص ، فيكون متصلا لا منقطعا ، وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة . ثم خاطب الكفار على العموم أو كفار مكة على الخصوص فقال ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين ) أي فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بفاتنين على الله بإفساد عباده وإضلالهم ، وعلى متعلقة بفاتنين ، والواو في وما تعبدون إما للعطف على اسم إن ، أو هو بمعنى مع ، وما موصولة أو مصدرية : أي فإنكم والذي تعبدون ، أو عبادتكم ، ومعنى فاتنين مضلين ، يقال فتنت الرجل وأفتنته ، ويقال فتنه على الشئ وبالشيء كما يقال أصله على الشئ وأضله به . قال الفراء : أهل الحجاز يقولون فتنته ، وأهل نجد يقولون أفتنته ، ويقال فتن فلان على فلان امرأته : أي أفسدها عليه : فالفتنة هنا بمعنى الإضلال والإفساد . قال مقاتل : يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم ، " وما " في " وما أنتم " نافية " وأنتم " خطاب لهم ولمن يعبدونه على التغليب . قال الزجاج : أهل التفسير مجمعون فيما علمت أن المعنى : ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل ، ومنه قول الشاعر : فرد بفتنته كيده * عليه وكان لنا فاتنا أي مضلا ( إلا من هو صال الجحيم ) قرأ الجمهور " صال " بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت الياء