تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
قوله ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) معطوف على يطاف : أي يسأل هذا ذاك ، وذاك هذا حال شربهم عن أحوالهم التي كانت في الدنيا ، وذلك من تمام نعيم الجنة ، والتقدير : فيقبل بعضهم على بعض ، وإنما عبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه ( قال قائل منهم ) أي قال قائل من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم على بعض بالحديث وسؤال بعضهم لبعض ( إني كان لي قرين ) أي صاحب ملازم لي في الدنيا كافر بالبعث منكر له كما يدل عليه قوله ( أئنك لمن المصدقين ) يعني بالبعث والجزاء ، وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ ذلك المؤمن وتبكيته بإيمانه وتصديقه بما وعد الله به من البعث ، وكان هذا القول منه في الدنيا . ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد للبعث عنده وفي زعمه فقال ( إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ) أي مجزيون بأعمالنا ومحاسبون بها بعد أن صرنا ترابا وعظاما ، وقيل معنى مدينون مسوسون ، يقال دانه : إذا ساسه . قال سعيد بن جبير : قرينه شريكه ، وقيل أراد بالقرين الشيطان الذي يقارنه وأنه كان يوسوس إليه بإنكار البعث ، وقد مضى ذكر قصتهما في سورة الكهف ، والاختلاف في أسميهما ، قرأ الجمهور " لمن المصدقين " بتخفيف الصاد من التصديق : أي لمن المصدقين بالبعث ، وقرئ بتشديدها ، ولا أدري من قرأ بها ، ومعناها بعيد لأنها من التصدق لا من التصديق ، ويمكن تأويلها بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب الثواب ، وعلل ذلك باستبعاد البعث وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة ، فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة ، والثالثة بكسر الألف من غير استفهام ، ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين ، وابن عامر الأولى والثالثة بهمزتين ، والثانية بكسر الألف من غير استفهام ، والباقون بالاستفهام في جميعها . ثم اختلفوا ، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعده ساكنه خفيفة ، وأبو عمرو مطولة ، وعاصم وحمزة بهمزتين ( قال هل أنتم مطلعون ) القائل هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا : أي هل أنتم مطلعون إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة كيف منزلته في النار ؟ قال ابن الأعرابي : والاستفهام هو بمعنى الأمر : أي اطلعوا ، وقيل القائل هو الله سبحانه ، وقيل الملائكة ، والأول أولى ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) أي فاطلع على النار ذلك المؤمن الذي صار يحدث أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا ، فرأى قرينه في وسط الجحيم . قال الزجاج : سواء كل شئ وسطه . قرأ الجمهور " مطلعون " بتشديد الطاء مفتوحة وبفتح النون ، فاطلع ماضيا مبنيا للفاعل من الطلوع . وقرأ ابن عباس ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو مطلعون بسكون الطاء وفتح النون " فأطلع " بقطع الهمزة مضمومة وكسر اللام ماضيا مبنيا للمفعول . قال النحاس : فأطلع فيه قولان على هذه القراءة أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا : أي فأطلع أنا ، ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام ، والقول الثاني أن يكون فعلا ماضيا ، وقرأ حماد بن أبي عمار " مطلعون " بتخفيف الطاء وكسر النون فاطلع مبنيا للمفعول ، وأنكر
فتح القدير — صفحة 396 | الشوكاني