قوله ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) معطوف على يطاف : أي يسأل هذا ذاك ، وذاك هذا حال شربهم
عن أحوالهم التي كانت في الدنيا ، وذلك من تمام نعيم الجنة ، والتقدير : فيقبل بعضهم على بعض ، وإنما عبر عنه
بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه ( قال قائل منهم ) أي قال قائل من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم على بعض
بالحديث وسؤال بعضهم لبعض ( إني كان لي قرين ) أي صاحب ملازم لي في الدنيا كافر بالبعث منكر له كما
يدل عليه قوله ( أئنك لمن المصدقين ) يعني بالبعث والجزاء ، وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ ذلك المؤمن
وتبكيته بإيمانه وتصديقه بما وعد الله به من البعث ، وكان هذا القول منه في الدنيا . ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد
للبعث عنده وفي زعمه فقال ( إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ) أي مجزيون بأعمالنا ومحاسبون بها بعد أن صرنا
ترابا وعظاما ، وقيل معنى مدينون مسوسون ، يقال دانه : إذا ساسه . قال سعيد بن جبير : قرينه شريكه ، وقيل
أراد بالقرين الشيطان الذي يقارنه وأنه كان يوسوس إليه بإنكار البعث ، وقد مضى ذكر قصتهما في سورة
الكهف ، والاختلاف في أسميهما ، قرأ الجمهور " لمن المصدقين " بتخفيف الصاد من التصديق : أي لمن المصدقين
بالبعث ، وقرئ بتشديدها ، ولا أدري من قرأ بها ، ومعناها بعيد لأنها من التصدق لا من التصديق ، ويمكن
تأويلها بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب الثواب ، وعلل ذلك باستبعاد البعث
وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة ، فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة ، والثالثة بكسر
الألف من غير استفهام ، ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين ، وابن عامر الأولى والثالثة بهمزتين ،
والثانية بكسر الألف من غير استفهام ، والباقون بالاستفهام في جميعها . ثم اختلفوا ، فابن كثير يستفهم بهمزة
واحدة غير مطولة وبعده ساكنه خفيفة ، وأبو عمرو مطولة ، وعاصم وحمزة بهمزتين ( قال هل أنتم مطلعون ) القائل
هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا : أي هل أنتم مطلعون إلى أهل النار
لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة كيف منزلته في النار ؟ قال ابن الأعرابي : والاستفهام هو بمعنى الأمر :
أي اطلعوا ، وقيل القائل هو الله سبحانه ، وقيل الملائكة ، والأول أولى ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) أي فاطلع
على النار ذلك المؤمن الذي صار يحدث أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا ، فرأى قرينه في وسط الجحيم .
قال الزجاج : سواء كل شئ وسطه . قرأ الجمهور " مطلعون " بتشديد الطاء مفتوحة وبفتح النون ، فاطلع ماضيا
مبنيا للفاعل من الطلوع . وقرأ ابن عباس ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو مطلعون بسكون الطاء وفتح النون
" فأطلع " بقطع الهمزة مضمومة وكسر اللام ماضيا مبنيا للمفعول . قال النحاس : فأطلع فيه قولان على هذه القراءة
أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا : أي فأطلع أنا ، ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام ، والقول الثاني أن
يكون فعلا ماضيا ، وقرأ حماد بن أبي عمار " مطلعون " بتخفيف الطاء وكسر النون فاطلع مبنيا للمفعول ، وأنكر
فتح القدير — صفحة 396
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩٦