تقول في تشبيه من يستقبحونه : كأنه شيطان ، وفي تشبيه من يستحسنونه : كأنه ملك ، كما في قوله - ما هذا بشر
إن هذا إلا ملك كريم - ومنه قول امرئ القيس :
أيقتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقال الزجاج والفراء : الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف ، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسما .
وقيل إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له الاستن ، ويقال له الشيطان . قال النحاس :
وليس ذلك معروفا عند العرب . وقيل هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين ( فإنهم
لآكلون منها ) أي من الشجرة أو من طلعها ، والتأنيث لاكتساب الطلع التأنيث من إضافته إلى الشجرة ( فمالئون
منها البطون ) وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم ، فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة
( ثم إن لهم عليها ) بعد الأكل منها ( لشوبا من حميم ) الشوب الخلط . قال الفراء : يقال شاب طعامه وشرابه : إذا
خلطهما بشئ يشوبهما شوبا وشيابة ، والحميم الماء الحار . فأخبر سبحانه أنه يشاب لهم طعامهم من تلك الشجرة
بالماء الحار ليكون أفظع لعذابهم وأشنع لحالهم كما في قوله - وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم - قرأ الجمهور " شوبا "
بفتح الشين ، وهو مصدر ، وقرأ شيبان النحوي بالضم . قال الزجاج : المفتوح مصدر ، والمضموم اسم بمعنى
المشوب ، كالنقص بمعنى المنقوص ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) أي مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل
الزقوم إلى الجحيم ، وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه ، وهو خارج الجحيم كما تورد الإبل ، ثم يردون إلى
الجحيم كما في قوله سبحانه - يطوفون بينها وبين حميم آن - وقيل إن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل
دخولها . قال أبو عبيدة : ثم بمعنى الواو ، وقرأ ابن مسعود " ثم إن مقيلهم لا إلى الجحيم " وجملة ( إنهم ألفوا ،
إي وجدوا ( آباءهم ضالين ) تعليل لاستحقاقهم ما تقدم ذكره أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم تقليدا
وضلالة لا لحجة أصلا ( فهم على آثارهم يهرعون ) الإهراع الإسراع . قال الفراء : الإهراع الإسراع برعدة . وقال
أبو عبيدة : يهرعون : يستحثون من خلفهم ، يقال جاء فلان يهرع إلى النار : إذا استحثه البرد إليها . وقال المفضل
يزعجون من شدة الإسراع . قال الزجاج : هرع وأهرع : إذا استحث وانزعج ، والمعنى : يتبعون آباءهم في
سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ) أي ضل قبل هؤلاء المذكورين أكثر
الأولين من الأمم الماضية ( ولقد أرسلنا فيهم منذرين ) أي أرسلنا في هؤلاء الأولين رسلا أنذروهم العذاب وبينوا
لهم الحق فلم ينجع ذلك فيهم ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) أي الذين أنذرتهم الرسل فإنهم صاروا إلى النار .
قال مقاتل : يقول كان عاقبتهم العذاب ، يحذر كفار مكة ثم استثنى عباده المؤمنين فقال ( إلا عباد الله المخلصين )
أي إلا من أخلصهم الله بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد ، وقرئ " المخلصين " بكسر اللام : أي الذين أخلصوا لله
طاعاتهم ولم يشوبوها بشئ مما يغيرها .
وقد أخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) قال : اطلع
ثم التفت إلى أصحابه فقال : لقد رأيت جماجم القوم تغلى . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : قول الله لأهل
الجنة - كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون - قال هنيئا : أي لا تموتون فيها فعند ذلك قالوا ( أفما نحن بميتين إلا موتتنا
الأولى ما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم ) قال : هذا قول الله ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) . وأخرج ابن
مردويه عن البراء بن عازب قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده في يدي ، فرأى جنازة
فأسرع المشي حتى أتى القبر ، ثم جثى على ركبتيه فجعل يبكي حتى بل الثرى ، ثم قال ( لمثل هذا فليعمل العاملون )
فتح القدير — صفحة 398
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩٨