تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
وانتصاب ( متقابلين ) على الحالية من الضمير في مكرمون ، أو من الضمير في متعلق على سرر . قال عكرمة ومجاهد : معنى التقابل أنه لا ينظر بعضهم في قفا بعض ، وقيل إنها تدور بهم الأسرة كيف شاءوا فلا يرى بعضهم قفا بعض . قرأ الجمهور " سرر " بضم الراء . وقرأ أبو السماك بفتحها ، وهي لغة بعض تميم . ثم ذكر سبحانه صفة أخرى لهم فقال ( يطاف عليهم بكأس من معين ) ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير متقابلين ، والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء فيه الشراب ، فإن كان فارغا فليس بكأس . وقال الضحاك والسدي : كل كأس في القرآن فهي الخمر . قال النحاس : وحكى من يوثق به من أهل اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر كأس ، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام مائدة ، فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة ، ومن معين متعلق بمحذوف هو صفة لكأس . قال الزجاج : بكأس من معين : أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض ، والمعين الماء الجاري ، وقوله ( بيضاء لذة للشاربين ) صفتان لكأس . قال الزجاج : أي ذات لذة فحذف المضاف ، ويجوز أن يكون الوصف بالمصدر لقصد المبالغة في كونها لذة فلا يحتاج إلى تقدير المضاف . قال الحسن : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن له لذة لذيذة ، يقال شراب لذ ولذيذ كما يقال نبات غض وغضيض ، ومنه قول الشاعر : بحديثها اللذ الذي لو كلمت * أسد الفلاة به أتين سراعا واللذيذ : كل شئ مستطاب ، وقيل البيضاء : هي التي لم يعتصرها الرجال . ثم وصف هذه الكأس من الخمر بغير ما يتصف به خمر الدنيا ، فقال ( لا فيها غول ) أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع ( ولا هم عنها ينزفون ) أي يسكرون : يقال نزف الشارب فهو منزوف ونزيف إذا سكر ، ومنه قول امرئ القيس : وإذا هي تمشي كمشي النزيف * يصرعه بالكثيب البهر وقال أيضا : * نزيف إذا قامت لوجه تمايلت * ومنه قول الآخر : فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج قال الفراء : العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء . وقال أبو عبيدة : الغول أن تغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس : وما زالت الكأس تغتالهم * وتذهب بالأول الأول وقال الواحدي : الغول حقيقته الإهلاك ، يقال غاله غولا واغتاله : أي أهلكه ، والغول كل ما اغتالك : أي أهلكك . قرأ الجمهور " ينزفون " بضم الياء وفتح الزاي مبنيا للمفعول . وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الرجل : إذا ذهب عقله من السكر فهو نزيف ومنزوف ومنزف ، يقال أحصد الزرع : إذا حان حصاده ، وأقطف الكرم : إذا حان قطافه . قال الفراء : من كسر الزاي فله معنيان ، يقال أنزف الرجل : إذا فنيت خمره ، وأنزف : إذا ذهب عقله من السكر ، وتحمل هذه القراءة على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة . قال النحاس : والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى ، لأن معنى لا ينزفون عند جمهور المفسرين : لا تذهب عقولهم ، فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر . وقال الزجاج وأبو علي الفارسي معنى : لا ينزفون بكسر الزاي : لا يسكرون . قال المهدوي : لا يكون معنى ينزفون يسكرون ، لأن قبله ( لا غول فيها ) أي لا تغتال عقولهم فيكون تكريرا ، وهذا يقوي ما قاله قتادة : إن الغول وجع البطن وكذا روى