تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
نطل عمره نغير خلقه ، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة . قال الزجاج : المعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه ، فصار بدل القوة الضعف ، وبدل الشباب الهرم ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا - وقوله - ثم رددناه أسفل سافلين - ومعنى ( أفلا تعقلون ) أفلا تعلمون بعقولكم أن من قدر على ذلك قدر على البعث والنشور . قرأ الجمهور " يعقلون " بالتحتية . وقرأ نافع وابن ذكوان بالفوقية على الخطاب . ولما قال كفار مكة : إن القرآن شعر ، وإن محمدا شاعر رد الله عليهم بقوله ( وما علمناه الشعر ) والمعنى : نفي كون القرآن شعرا ، ثم نفى أن يكون النبي شاعرا ، فقال ( وما ينبغي له ) أي لا يصح له الشعر ولا يتأتى منه ولا يسهل عليه لو طلبه وأراد أن يقوله ، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن ينشد بيتا قد قاله شاعر متمثلا به كسر وزنه ، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور ، وهو قوله : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود قال : ويأتيك من لم تزوده بالأخبار وأنشد مرة أخرى قول العباس بن مرداس السلمي : أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع فقال : بين الأقرع وعيينة ، وأنشد أيضا * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا * فقال أبو بكر : يا رسول الله إنما قال الشاعر * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا * فقال : أشهد أنك رسول الله ، يقول الله عز وجل - وما علمناه الشعر وما ينبغي له - وقد وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم كثير من مثل هذا . قال الخليل كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كثير من الكلام ، ولكن لا يتأتى منه ، ووجه عدم تعليمه الشعر وعدم قدرته عليه ، التكميل للحجة والدحض للشبهة ، كما جعله الله أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وأما ما روي عنه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت وقوله : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب ونحو ذلك ، فمن الاتفاق الوارد من غير قصد كما يأتي ذلك في بعض آيات القرآن ، وليس بشعر ولا مراد به الشعر ، بل اتفق ذلك اتفاقا كما يقع في كثير من كلام الناس ، فإنهم قد يتكلمون بما لو اعتبره معتبر لكان على وزن الشعر ولا يعدونه شعرا ، وذلك كقوله تعالى - لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون - وقوله - وجفان كالجواب وقدور راسيات - على أنه قد قال الأخفش إن قوله * أنا النبي لا كذب * ليس بشعر . وقال الخليل في كتاب العين : إن ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعرا . قال ابن العربي : والأظهر من حاله أنه قال لا كذب برفع الباء من كذب ، وبخفضها من عبد المطلب . قال النحاس : قال بعضهم : إنما الرواية بالإعراب ، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا ، لأنه إذا فتح الباء من الأول أو ضمهما أو نونها وكسر الباء من الثاني خرج عن وزن الشعر . وقيل إن الضمير في له عائد إلى القرآن أي وما ينبغي للقرآن أن يكون شعرا ( إن هو إلا ذكر ) أي ما القرآن إلا ذكر من الأذكار وموعظة من المواعظ ( وقرآن مبين ) أي كتاب من كتب الله السماوية مشتمل على الأحكام الشرعية ( لينذر من كان حيا ) أي لينذر القرآن من كان حيا : أي قلبه صحيح يقبل الحق ويأبى الباطل ، أو لينذر الرسول من كان حيا . قرأ الجمهور بالياء التحتية ، وقرأ نافع وابن عامر بالفوقية ، فعلى القراءة الأولى المراد القرآن ، وعلى الثانية