تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
غير واسطة ولا شركة ، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق كما يقول الواحد منا : عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله ، وما بمعنى الذي ، وحذف العائد لطول الصلة ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والأنعام جمع نعم ، وهي البقر والغنم والإبل ، وقد سبق تحقيق الكلام فيها . ثم ذكر سبحانه المنافع المترتبة على خلق الأنعام فقال ( فهم لها مالكون ) أي ضابطون قاهرون يتصرفون بها كيف شاءوا ، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم ولم يقدروا على ضبطها ، ويجوز أن يكون المراد أنها صارت في أملاكهم ومعدودة من جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك ( وذللناها لهم ) أي جعلناها لهم مسخرة لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم حتى الذبح ، ويقودها الصبي فتنقاد له ويزجرها فتنزجر ، والفاء في قوله ( فمنها ركوبهم ) لتقريع أحكام التذليل عليه : أي فمنها مركوبهم الذي يركبونه كما يقال ناقة حلوب : أي محلوبة . قرأ الجمهور " ركوبهم " بفتح الراء . وقرأ الأعمش والحسن وابن السميفع بضم الراء على المصدر . وقرأ أبي وعائشة " ركوبتهم " والركوب والركوبة واحد ، مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة . وقال أبو عبيدة : الركوبة تكون للواحدة والجماعة ، والركوب لا يكون إلا للجماعة . وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز فمنها ركوبهم بضم الراء لأنه مصدر ، والركوب ما يركب ، وأجاز ذلك الفراء كما يقال : فمنها أكلهم ومنها شربهم ومعنى ( ومنها يأكلون ) ما يأكلونه من لحمها ، ومن للتبعيض ( ولهم فيها منافع ) أي لهم في الأنعام منافع غير الركوب لها والأكل منها وهي ما ينتفعون به من أصوافها وأوبارها وأشعارها وما يتخذونه من الأدهان من شحومها ، وكذلك الحمل عليها والحراثة بها ( ومشارب ) أي ولهم فيها مشارب مما يحصل من ألبانها ( أفلا يشكرون ) الله على هذه النعم ويوحدونه ويخصونه بالعبادة . ثم ذكر سبحانه جهلهم واغترارهم ووضعهم كفران النعم مكان شكرها فقال ( واتخذوا من دون الله آلهة ) من الأصنام ونحوها يعبدونها ولا قدرة لها على شئ ولم يحصل لهم منها فائدة ، ولا عاد عليهم من عبادتها عائدة ( لعلهم ينصرون ) أي رجاء أن ينصروا من جهتهم إن نزل بهم عذاب أو دهمهم أمر من الأمور ، وجملة ( لا يستطيعون نصرهم ) مستأنفة لبيان بطلان ما رجوه منها وأملوه من نفعها ، وجمعهم بالواو والنون جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أنهم ينفعون ويضرون ويعقلون ( وهم لهم جند محضرون ) أي والكفار جند للأصنام محضرون : أي يحضرونهم في الدنيا . قال الحسن : يمنعون منهم ويدفعون عنهم ، وقال قتادة : أي يغضبون لهم في الدنيا . قال الزجاج : ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم . وقيل المعنى : يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لهم بمنزلة الجند ، هذه الأقوال على جعل ضميرهم للمشركين وضمير لهم للآلهة ، وقيل وهم : أي الآلهة لهم : أي للمشركين جند محضرون معهم في النار فلا يدفع بعضهم عن بعض . وقيل معناه : وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم لأنهم يلعنونهم ويتبرؤون منهم . وقيل المعنى : إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند لهم يحضرون يوم القيامة لإعانتهم . ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( فلا يحزنك قولهم ) هذا القول هو ما يفيده قوله ( واتخذوا من دون الله آلهة ) فإنهم لا بد أن يقولوا هؤلاء آلهتنا وإنها شركاء لله في المعبودية ونحو ذلك ، وهو نهي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن التأثر بذلك . وقيل إنه نهى لهم عن الأسباب التي تحزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن النهي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التأثر لما يصدر منهم هو من باب " لا أرينك ها هنا " فإنه يراد به نهي من خاطبه عن الحضور لديه . لا نهى نفسه عن الرؤية ، وهذا بعيد والأول أولى والكلام من باب التسلية كما ذكرنا ، ويجوز أن يكون المراد بالقول المذكور هو قولهم : إنه ساحر وشاعر ومجنون ، وجملة ( إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) لتعليل ما تقدم من النهي . فإن علمه سبحانه بما يظهرون ويضمرون مستلزم للمجازاة لهم بذلك . وأن جميع ما صدر منهم لا يعزب عنه