على ألسنة الرسل ، والقائل لهم الملائكة ، ثم يقولون لهم ( اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) أي قاسوا حرها اليوم
وأدخلوها وذوقوا أنواع العذاب فيها بما كنتم تكفرون : أي بسبب كفركم بالله في الدنيا وطاعتكم للشيطان وعبادتكم
للأوثان ، وهذا الأمر أمر تنكيل وإهانة كقوله - ذق إنك أنت العزيز الكريم - ( اليوم نختم على أفواههم ) اليوم
ظرف لما بعده ، وقرئ يختم على البناء للمفعول ، والنائب الجار والمجرور بعده . قال المفسرون : إنهم ينكرون
الشرك وتكذيب الرسل كما في قولهم - والله ربنا ما كنا مشركين - فيختم الله على أفواههم ختما لا يقدرون معه على
الكلام ، وفي هذا التفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن أفعالهم القبيحة مستدعية للإعراض عن خطابهم ، ثم
قال ( وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) أي تكلمت أيديهم بما كانوا يفعلونه ، وشهدت أرجلهم
عليهم بما كانوا يعملون . قرأ الجمهور " تكلمنا وتشهد " وقرأ طلحة بن مصرف " ولتكلمنا ، ولتشهد " بلام كي .
وقيل سبب الختم على أفواههم ليعرفهم أهل الموقف . وقيل ختم على أفواههم لأجل أن يكون الإقرار من جوارحهم
لأن شهادة غير الناطق أبلغ في الحجة من شهادة الناطق لخروجه مخرج الإعجاز . وقيل ليعلموا أن أعضاءهم التي
كانت أعوانا لهم في معاصي الله صارت شهودا عليهم ، وجعل ما تنطق به الأيدي كلاما وإقرارا لأنها كانت
المباشرة لغالب المعاصي ، وجعل نطق الأرجل شهادة لأنها حاضرة عند كل معصية ، وكلام الفاعل إقرار ، وكلام
الحاضر شهادة ، وهذا اعتبار بالغالب ، وإلا فالأرجل قد تكون مباشرة للمعصية كما تكون الأيدي مباشرة لها ( ولو
نشاء لطمسنا على أعينهم ) أي أذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شق ولا جفن . قال الكسائي : طمس
يطمس ويطمس والمطموس والطميس عند أهل اللغة الذي ليس في عينيه شق كما في قوله - ولو شاء الله لذهب
بسمعهم وأبصارهم - ومفعول المشيئة محذوف : أي لو نشاء أن نطمس على أعينهم لطمسنا . قال السدي والحسن :
المعنى لتركناهم عميا يترددون لا يبصرون طريق الهدى ، واختار هذا ابن جرير ( فاستبقوا الصراط ) معطوف على
لطمسنا : أي تبادروا إلى الطريق ليجوزوه ويمضوا فيه ، والصراط منصوب بنزع الخافض : أي فاستبقوا إليه ،
وقال عطاء ومقاتل وقتادة : المعنى لو نشاء لفقأنا أعينهم وأعميناهم عن غيهم . وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى
الهدى ، فأبصروا رشدهم ، واهتدوا وتبادروا إلى طريق الآخرة ، ومعنى ( فأنى يبصرون ) أي كيف يبصرون
الطريق ويحسنون سلوكه ولا أبصار لهم . وقرأ عيسى بن عمر " فاستبقوا " على صيغة الأمر : أي فيقال لم استبقوا .
وفي هذا تهديد لهم . ثم كرر التهديد لهم فقال ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) المسخ تبديل الخلقة إلى حجر أو
غيره من الجماد أو بهيمة ، والمكانة المكان : أي لو شئنا لبدلنا خلقهم على المكان الذي هم فيه . قيل والمكانة أخص
من المكان كالمقامة والمقام . قال الحسن : أي لأقعدناهم ( فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ) أي لا يقدرون على
ذهاب ولا مجيء . قال الحسن : فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم ، وكذلك الجماد لا يتقدم
ولا يتأخر . وقيل المعنى : لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم ، وقيل لمسخناهم في المكان الذي فعلوا فيه المعصية .
وقال يحيى بن سلام : هذا كله يوم القيامة . قرأ الجمهور " على مكانتهم " بالإفراد . وقرأ الحسن والسلمي وزر
ابن حبيش وأبو بكر عن عاصم " مكاناتهم " بالجمع . وقرأ الجمهور " مضيا " بضم الميم ، وقرأ أبو حيوة " مضيا "
بفتحها ، وروي عنه أنه قرأ بكسرها ورويت هذه القراءة عن الكسائي . قيل والمعنى : ولا يستطيعون رجوعا ،
فوضع الفعل موضع المصدر لمراعاة الفاصلة ، يقال مضى يمضي مضيا : إذا ذهب في الأرض ، ورجع يرجع
رجوعا : إذا عاد من حيث جاء ( ومن نعمره ننكسه في الخلق ) قرأ الجمهور " ننكسه " بفتح النون الأولى وسكون
الثانية وضم الكاف مخففة . وقرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة . والمعنى : من
فتح القدير — صفحة 378
مساهمون: الشوكاني
ص٣٧٨