الناصب لقولا : أي سلام يقال لهم قولا وقيل خبره من رب العالمين وقيل التقدير : سلام عليكم هذا على قراءة الجمهور
وقرأ أبي وابن مسعود وعيسى " سلاما " بالنصب إما على المصدرية أو على الحالية بمعنى خالصا ، والسلام : إما
من التحية أو من السلامة . وقرأ محمد بن كعب القرظي " سلم " كأنه قال سلم لهم لا يتنازعون فيه ، وانتصاب قولا
على المصدرية بفعل محذوف على معنى : قال الله لهم ذلك قولا ، أو يقوله لهم قولا ، أو يقال لهم قولا ( من رب
رحيم ) أي من جهته ، قيل يرسل الله سحابة إليهم بالسلام . وقال مقاتل : إن الملائكة تدخل على أهل الجنة من كل
باب يقولون : سلام عليكم يا أهل الجنة من رب رحيم ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) هو على إضمار القول مقابل
ما قيل للمؤمنين : أي ويقال للمجرمين امتازوا : أي انعزلوا ، من مازه غيره ، يقال مزت الشئ من الشئ : إذا
عزلته عنه ونحيته . قال مقاتل : معناه اعتزلوا اليوم : يعني في الآخرة من الصالحين . وقال السدي : كونوا على
حدة . وقال الزجاج : انفردوا عن المؤمنين . وقال قتادة : عزلوا عن كل خير . وقال الضحاك : يمتاز المجرمون
بعضهم من بعض ، فيمتاز اليهود فرقة ، والنصارى فرقة ، والمجوس فرقة ، والصابئون فرقة وعبدة الأوثان فرقة .
وقال داود بن الجراح : يمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء فإنهم يكونون مع المجرمين . ثم وبخهم الله
سبحانه وقرعهم بقوله ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) وهذا من جملة ما يقال لهم . والعهد الوصية :
أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسن رسلي أن لا تعبدوا الشيطان : أي لا تطيعوه . قال الزجاج : المعنى ألم أتقدم إليكم
على لسان الرسل يا بني آدم . وقال مقاتل : يعنى الذين أمروا بالاعتزال . قال الكسائي : لا للنهي ، وقيل المراد
بالعهد هنا : الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم ، وقيل هو ما نصبه الله لهم من الدلائل العقلية التي
في سماواته وأرضه وجملة ( إنه لكم عدو مبين ) تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان وقبول وسوسته ، وجملة
( وأن اعبدوني ) عطف على أن لا تعبدوا ، وأن في الموضعين هي المفسرة للعهد الذي فيه معنى القول ، ويجوز أن
تكون مصدرية فيهما : أي لم أعهد إليكم بأن لا تعبدوا بأن اعبدوني ، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي
عبادتي ( هذا صراط مستقيم ) أي عبادة الله وتوحيده ، أو الإشارة إلى دين الإسلام . ثم ذكر سبحانه عداوة
الشيطان لبني آدم فقال ( ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ) اللام هي الموطئة للقسم ، والجملة مستأنفة للتقريع والتوبيخ
أي والله لقد أضل الخ . قرأ نافع وعاصم " جبلا " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم
الجيم وسكون الباء ، وقرأ الباقون بضمتين مع تخفيف اللام ، وقرأ ابن أبي إسحاق والزهري وابن هرمز بضمتين مع
تشديد اللام ، وكذلك قرأ الحسن وعيسى بن عمر والنضر بن أنس ، وقرأ أبو يحيى وحماد بن سلمة والأشهب العقيلي
بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام . قال النحاس : وأبينها القراءة الأولى . والدليل على ذلك أنهم قد قرأوا
جميعا " والجبلة الأولين " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام . فيكون جبلا جمع جبلة ، واشتقاق الكل من جبل الله
الخلق : أي خلقهم ، ومعنى الآية : أن الشيطان قد أغوى خلقا كثيرا كما قال مجاهد . وقال قتادة : جموعا كثيرة ،
وقال الكلبي : أمما كثيرة . قال الثعلبي : والقراءات كلها بمعنى الخلق ، وقرئ " جيلا " بالجيم والياء التحتية . قال
الضحاك : الجيل الواحد عشرة آلاف ، والكثير ما يحصيه إلا الله عز وجل ، ورويت هذه القراءة عن علي بن
أبي طالب ، والهمزة في قوله ( أفلم تكونوا تعقلون ) للتقريع والتوبيخ ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام كما
تقدم في نظائره : أي أتشاهدون آثار العقوبات ، أفلم تكونوا تعقلون ، أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان
لكم ، أو أفلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا . قرأ الجمهور " أفلم تكونوا تعقلون " بالخطاب . وقرأ طلحة وعيسى بالغيبة
( هذه جهنم التي كنتم توعدون ) أي ويقال لهم عند أن يدنوا من النار : هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا
فتح القدير — صفحة 377
مساهمون: الشوكاني
ص٣٧٧