ومحل قوله " بغير علم " النصب على الحال : أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه ، أو بحال ما ينفع من
التجارة وما يضر . فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض ( ويتخذها هزوا ) قرأ الجمهور برفع " يتخذها " عطفا
على يشتري فهو من جملة الصلة ، وقيل الرفع على الاستئناف ، والضمير المنصوب في يتخذها يعود إلى الآيات
المتقدم ذكرها ، والأول أولى . وقرأ حمزة والكسائي والأعمش " ويتخذها " بالنصب عطفا على يضل ، والضمير
المنصوب راجع إلى السبيل ، فتكون على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم ، والمعنى : أنه يشتري لهو الحديث
للإضلال عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزوا : أي مهزوءا به ، والسبيل يذكر ويؤنث ، والإشارة بقوله ( أولئك
لهم عذاب مهين ) إلى من ، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها ، والعذاب المهين : هو
الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهينا ( وإذا تتلى عليه آياتنا ) أي وإذا تتلى آيات القران على هذا المستهزيء ( ولى
مستكبرا ) أي أعرض عنها حال كونه مبالغا في التكبر ، وجملة ( كأن لم يسمعها ) في محل نصب على الحال : أي
كأن ذلك المعرض المستكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها ، ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع ، وجملة ( كأن في
أذنيه وقرا ) حال ثانية ، أو بدل من التي قبلها ، أو حال من ضمير يسمعها ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، والوقر
الثقل ، وقد تقدم بيانه ، وفيه مبالغة في إعراض ذلك المعرض ( فبشره بعذاب أليم ) أي أخبره بأن له العذاب
البليغ في الألم ، ثم لما بين سبحانه حال من يعرض عن الآيات بين حال من يقبل عليها ، فقال ( إن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات ) أي آمنوا بالله وبآياته ولم يعرضوا عنها بل قبلوها وعملوا بها ( لهم جنات النعيم ) أي
نعيم الجنات فعكسه للمبالغة ، جعل لهم جنات النعيم كما جعل للفريق الأول العذاب المهين ، وانتصاب ( خالدين
فيها ) على الحال وقرأ زيد بن علي " خالدون فيها " على أنه خبر ثان لأن ( وعد الله حقا ) هما مصدران الأول
مؤكد لنفسه : أي وعد الله وعدا . والثاني مؤكدة لغيره ، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره حق ذلك حقا .
والمعنى : أن وعده كائن لا محالة ولا خلف فيه ( وهو العزيز ) الذي لا يغلبه غالب ( الحكيم ) في كل أفعاله
وأقواله . ثم بين سبحانه عزته وحكمته بقوله ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ) العمد جمع عماد ، وقد تقدم
الكلام فيه في سورة الرعد . وترونها في محل جر صفة لعمد فيمكن أن تكون ثم عمد ، ولكن لا ترى . ويجوز أن
تكون في موضع نصب على الحال : أي ولا عمد البتة . قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : الأولى أن
يكون مستأنفا : أي ولا عمد ثم ( وألقى في الأرض رواسي ) أي جبالا ثوابت ( أن تميد بكم ) في محل نصب على
العلة : أي كراهة أن تميد بكم . والكوفيون يقدرونه لئلا تميد ، والمعنى : أنها خلقها وجعلها مستقرة ثابتة
لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها ( وبث فيها من كل دابة ) أي من كل نوع من أنواع الدواب ،
وقد تقدم بيان معنى البث ( وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) أي أنزلنا من السماء مطرا فأنبتنا
فيها بسبب إنزاله من كل زوج : أي من كل صنف ، ووصفه بكونه كريما لحسن لونه وكثرة منافعه . وقيل إن
المراد بذلك الناس ، فالكريم منهم من يصير إلى الجنة ، واللئيم من يصير إلى النار . قاله الشعبي وغيره ، والأول
أولى . والإشارة بقوله ( هذا ) إلى ما ذكر في خلق السماوات والأرض ، وهو مبتدأ وخبره ( خلق الله ) أي مخلوقه
( فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) من آلهتكم التي تعبدونها ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والمعنى : فأروني
أي شئ خلقوا مما يحاكى خلق الله أو يقاربه ، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت . ثم أضرب عن تبكيتهم
بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر فقال ( بل الظالمون في ضلال ) فقرر ظلمهم أولا وضلالهم ثانيا ،
ووصف ضلالهم بالوضوح والظهور ، ومن كان هكذا فلا يعقل الحجة ولا يهتدي إلى الحق .
فتح القدير — صفحة 235
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٥