تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
ومحل قوله " بغير علم " النصب على الحال : أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه ، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر . فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض ( ويتخذها هزوا ) قرأ الجمهور برفع " يتخذها " عطفا على يشتري فهو من جملة الصلة ، وقيل الرفع على الاستئناف ، والضمير المنصوب في يتخذها يعود إلى الآيات المتقدم ذكرها ، والأول أولى . وقرأ حمزة والكسائي والأعمش " ويتخذها " بالنصب عطفا على يضل ، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل ، فتكون على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم ، والمعنى : أنه يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزوا : أي مهزوءا به ، والسبيل يذكر ويؤنث ، والإشارة بقوله ( أولئك لهم عذاب مهين ) إلى من ، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها ، والعذاب المهين : هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهينا ( وإذا تتلى عليه آياتنا ) أي وإذا تتلى آيات القران على هذا المستهزيء ( ولى مستكبرا ) أي أعرض عنها حال كونه مبالغا في التكبر ، وجملة ( كأن لم يسمعها ) في محل نصب على الحال : أي كأن ذلك المعرض المستكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها ، ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع ، وجملة ( كأن في أذنيه وقرا ) حال ثانية ، أو بدل من التي قبلها ، أو حال من ضمير يسمعها ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، والوقر الثقل ، وقد تقدم بيانه ، وفيه مبالغة في إعراض ذلك المعرض ( فبشره بعذاب أليم ) أي أخبره بأن له العذاب البليغ في الألم ، ثم لما بين سبحانه حال من يعرض عن الآيات بين حال من يقبل عليها ، فقال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي آمنوا بالله وبآياته ولم يعرضوا عنها بل قبلوها وعملوا بها ( لهم جنات النعيم ) أي نعيم الجنات فعكسه للمبالغة ، جعل لهم جنات النعيم كما جعل للفريق الأول العذاب المهين ، وانتصاب ( خالدين فيها ) على الحال وقرأ زيد بن علي " خالدون فيها " على أنه خبر ثان لأن ( وعد الله حقا ) هما مصدران الأول مؤكد لنفسه : أي وعد الله وعدا . والثاني مؤكدة لغيره ، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره حق ذلك حقا . والمعنى : أن وعده كائن لا محالة ولا خلف فيه ( وهو العزيز ) الذي لا يغلبه غالب ( الحكيم ) في كل أفعاله وأقواله . ثم بين سبحانه عزته وحكمته بقوله ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ) العمد جمع عماد ، وقد تقدم الكلام فيه في سورة الرعد . وترونها في محل جر صفة لعمد فيمكن أن تكون ثم عمد ، ولكن لا ترى . ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال : أي ولا عمد البتة . قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : الأولى أن يكون مستأنفا : أي ولا عمد ثم ( وألقى في الأرض رواسي ) أي جبالا ثوابت ( أن تميد بكم ) في محل نصب على العلة : أي كراهة أن تميد بكم . والكوفيون يقدرونه لئلا تميد ، والمعنى : أنها خلقها وجعلها مستقرة ثابتة لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها ( وبث فيها من كل دابة ) أي من كل نوع من أنواع الدواب ، وقد تقدم بيان معنى البث ( وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) أي أنزلنا من السماء مطرا فأنبتنا فيها بسبب إنزاله من كل زوج : أي من كل صنف ، ووصفه بكونه كريما لحسن لونه وكثرة منافعه . وقيل إن المراد بذلك الناس ، فالكريم منهم من يصير إلى الجنة ، واللئيم من يصير إلى النار . قاله الشعبي وغيره ، والأول أولى . والإشارة بقوله ( هذا ) إلى ما ذكر في خلق السماوات والأرض ، وهو مبتدأ وخبره ( خلق الله ) أي مخلوقه ( فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) من آلهتكم التي تعبدونها ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والمعنى : فأروني أي شئ خلقوا مما يحاكى خلق الله أو يقاربه ، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت . ثم أضرب عن تبكيتهم بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر فقال ( بل الظالمون في ضلال ) فقرر ظلمهم أولا وضلالهم ثانيا ، ووصف ضلالهم بالوضوح والظهور ، ومن كان هكذا فلا يعقل الحجة ولا يهتدي إلى الحق .
فتح القدير — صفحة 235 | الشوكاني