يخاطبه بالمواعظ التي ترغبه في التوحيد وتصده عن الشرك ( يا بني لا تشرك بالله ) قرأ الجمهور بكسر الياء . وقرأ
ابن كثير بإسكانها . وقرأ حفص بفتحها ، ونهيه عن الشرك يدل على أنه كان كافرا كما تقدم ، وجملة ( إن الشرك
لظلم عظيم ) تعليل لما قبلها ، وبدأ في وعظه بنهيه عن الشرك لأنه أهم من غيره .
وقد اختلف في هذه الجملة ، فقيل هي من كلام لقمان ، وقيل هي من كلام الله ، فتكون منقطعة عما قبلها .
ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح إنها لما نزلت - ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - شق ذلك على الصحابة ، وقالوا :
أينا لم يظلم نفسه . فأنزل الله ( إن الشرك لظلم عظيم ) فطابت أنفسهم ( ووصينا الإنسان بوالديه ) هذه الوصية
بالوالدين وما بعدها إلى قوله ( بما كنتم تعملون ) اعتراض بين كلام لقمان لقصد التأكيد لما فيها من النهي عن
الشرك بالله ، وتفسير التوصية هي قوله ( أن اشكر لي ولوالديك ) وما بينهما اعتراض بين المفسر والمفسر وفي
جعل الشكر لهما مقترنا بالشكر لله دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد وأكبرها وأشدها وجوبا
ومعنى ( حملته أمه وهنا على وهن ) أنها حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف ، وقيل المعنى : إن
المرأة ضعيفة الخلقة ، ثم يضعفها الحمل وانتصاب وهنا على المصدر . وقال النحاس على أنه مفعول ثان بإسقاط
الحرف : أي حملته بضعف على ضعف . وقال الزجاج : المعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف ، مرة بعد مرة وقيل
انتصابه على الحال من أمه و " على وهن " صفة لوهنا أي وهنا كائنا على وهن . قرأ الجمهور بسكون الهاء في
الموضعين . وقرأ عيسى الثقفي وهي رواية عن أبي عمرو بفتحهما وهما لغتان . قال قعنب :
هل للعواذل من ناه فيزجرها * إن العواذل فيها الأين والوهن
( وفصاله في عامين ) الفصال الفطام ، وهو أن يفصل الولد عن الأم ، وهو مبتدأ وخبره الظرف . وقرأ
الجحدري وقتادة وأبو رجاء والحسن ويعقوب " وفصله " وهما لغتان ، يقال انفصل عن كذا : أي تميز ، وبه
سمي الفصيل . وقد قدمنا أن أمه في قوله ( أن اشكر لي ولوالديك ) هي المفسرة . وقال الزجاج : هي مصدرية .
والمعنى : بأن اشكر لي . قال النحاس : وأجود منه أن تكون أن مفسرة ، وجملة ( إلي المصير ) تعليل لوجوب
امتثال الأمر : أي الرجوع إلي لا إلى غيري ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ) أي مالا علم لك
بشركته ( فلا تطعهما ) في ذلك . وقد قدمنا تفسير الآية وسبب نزولها في سورة العنكبوت ، وانتصاب ( معروفا )
على أنه صفة لمصدر محذوف : أي وصاحبهما صحابا معروفا ، وقيل هو منصوب بنزع الخافض ، والتقدير
بمعروف ( واتبع سبيل من أناب إلي ) أي اتبع سبيل من رجع إلي من عبادي الصالحين بالتوبة والإخلاص ( ثم
إلي مرجعكم ) جميعا لا إلى غيري ( فأنبئكم ) أي أخبركم عند رجوعكم ( بما كنتم تعملون ) من خير وشر فأجازي
كل عامل بعمله . وقد قيل إن هذا السياق من قوله " ووصينا الإنسان " إلى هنا من كلام لقمان فلا يكون اعتراضا
وفيه بعد . ثم شرع سبحانه في حكاية بقية كلام لقمان في وعظه لابنه فقال ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من
خردل ) الضمير في إنها عائد إلى الخطيئة لما روي أن ابن لقمان قال لأبيه : يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني
أحد هل يعلمها الله ؟ فقال إنها : أي الخطيئة ، والجملة الشرطية مفسرة للضمير : أي إن الخطيئة إن تك مثقال حبة
من خردل . قال الزجاج : التقدير أن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل ، وعبر بالخردلة لأنها أصغر
الحبوب ولا يدرك بالحس ثقلها ولا ترجح ميزانا . وقيل إن الضمير في " إنها " راجع إلى الخصلة من الإساءة
والإحسان : أي إن الخصلة من الإساءة والإحسان إن تك مثقال حبة الخ ، ثم زاد في بيان خفاء الحبة مع خفتها
فقال ( فتكن في صخرة ) فإن كونها في الصخرة قد صارت في أخفى مكان وأحرزه ( أو في السماوات أو في الأرض )
فتح القدير — صفحة 238
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٨