تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
قوله ( ألم تلك آيات الكتاب ) قد تقدم الكلام على أمثال فاتحة هذه السورة ومحلها من الإعراب مستوفى فلا نعيده ، وبيان مرجع الإشارة أيضا ، و ( الحكيم ) إما أن يكون بمعنى مفعل ، أو بمعنى فاعل ، أو بمعنى ذي الحكمة أو الحكيم قائلة ، و ( هدى ورحمة ) منصوبان على الحال على قراءة الجمهور . قال الزجاج : المعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة ، وقرأ حمزه " ورحمة " بالرفع على أنهما خبر مبتدأ محذوف : أي هو هدى ورحمة ، ويجوز أن يكونا خبر تلك ، والمحسن العامل للحسنات ، أو من يعبد الله كأنه يراه كما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح لما سأله جبريل عن الاحسان : فقال " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ثم بين عمل المحسنين فقال ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ) والموصول في محل جر على الوصف للمحسنين ، أو في محل رفع ، أو نصب على المدح أو القطع ، وخص هذه العبادات الثلاث لأنها عمدة العبادات ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) قد تقدم تفسير هذا في أوائل سورة البقرة ، والمعنى هنا : أن أولئك المتصفين بالإحسان وفعل تلك الطاعات التي هي أمهات العبادات هم على طريقة الهدى . وهم الفائزون بمطالبهم الظافرون بخيري الدارين ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) محل " ومن الناس " الرفع على الابتداء كما تقدم بيانه في سورة البقرة ، وخبره " من يشتري لهو الحديث " ومن إما موصولة أو موصوفة ، ولهو الحديث كل ما يلهي عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة وكل ما هو منكر ، والإضافة بيانية . وقيل المراد شراء القينات المغنيات والمغنين ، فيكون التقدير : ومن يشتري أهل لهو الحديث . قال الحسن : لهو الحديث المعازف والغناء . وروي عنه أنه قال : هو الكفر والشرك . قال القرطبي : أن أولى ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو الحديث بالغناء ، قال : وهو قول الصحابة والتابعين ، واللام في ( ليضل عن سبيل الله ) للتعليل . قرأ الجمهور بضم الياء من " ليضل " أي ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق ، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد وورش وابن أبي إسحاق بفتح الياء : أي ليضل هو في نفسه . قال الزجاج : من قرأ بضم الياء ، فمعناه ليضل غيره ، فإذا أضل غيره فقد ضل هو ، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه ليصير أمره إلى الضلال ، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة ، فإنه يصير أمره إلى ذلك ، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد ، ويؤيد هذا سبب نزول الآية وسيأتي . قال الطبري : قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه ، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري . قال القاضي أبو بكر بن العربي : يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شئ منها عليه حرام لا من ظاهرها ولا من باطنها ، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها ؟ قلت : قد جمعت رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء وما استدل به المحللون له والمحرمون له ، وحققت هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها ، وسميتها ( إبطال دعوى الإجماع ، على تحريم مطلق السماع ) فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إليها .
فتح القدير — صفحة 234 | الشوكاني