( ثم جعل من بعد قوة ضعفا ) أي عند الكبر والهرم ( وشيبة ) الشيبة هي تمام الضعف ونهاية الكبر . قرأ الجمهور
" ضعف " بضم الضاد في هذه المواضع . وقرأ عاصم وحمزة بفتحها . وقرأ الجحدري بالفتح في الأولين والضم في
الثالث . قال الفراء : الضم لغة قريش والفتح لغة تميم . قال الجوهري : الضعف والضعف خلاف القوة ، وقيل هو
بالفتح في الرأي ، وبالضم في الجسم ( يخلق ما يشاء ) يعني من جميع الأشياء ومن جملتها القوة والضعف في بني آدم
( وهو العليم ) بتدبيره ( القدير ) على خلق ما يريده ، وأجاز الكوفيون من ضعف بفتح الضاد والعين ( ويوم تقوم
الساعة ) أي القيامة ، وسميت ساعة لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا ( يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة )
أي يحلفون ما لبثوا في الدنيا ، أو في قبورهم غير ساعة ، فيمكن أن يكونوا استقلوا مدة لبثهم واستقر ذلك في
أذهانهم ، فحلفوا عليه وهم يظنون أن حلفهم مطابق للواقع . وقال ابن قتيبة : إنهم كذبوا في هذا الوقت كما
كانوا يكذبون من قبل ، وهذا هو الظاهر لأنهم إن أرادوا لبثهم في الدنيا فقد علم كل واحد منهم مقداره ، وإن
أرادوا لبثهم في القبور فقد حلفوا على جهالة إن كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ ( كذلك كانوا يؤفكون )
يقال أفك الرجل : إذا صرف عن الصدق ، فالمعنى : مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون . وقيل المراد يصرفون عن
الحق ، وقيل عن الخير ، والأول أولى ، وهو دليل على أن حلفهم كذب " وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد
لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " اختلف في تعيين هؤلاء الذين أتوا العلم ، فقيل الملائكة ، وقيل الأنبياء ، وقيل
علماء الأمم ، وقيل مؤمنو هذه الأمة ، ولا مانع من الحمل على الجميع . ومعنى في كتاب الله : في علمه وقضائه .
قال الزجاج : في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ . قال الواحدي : والمفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير على
تقدير : وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله ، وكان رد الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد ، أو للمقابلة لليمين
باليمين ، ثم نبهوهم على طريقة التبكيت بأن ( هذا ) الوقت الذي صاروا فيه هو ( يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون )
أنه حق ، بل كنتم تستعجلونه تكذيبا واستهزاء ( فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ) أي لا ينفعهم الاعتذار يومئذ
ولا يفيدهم علمهم بالقيامة . وقيل لما رد عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا . قرأ
الجمهور " لا تنفع " بالفوقية ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتحتية ( ولا هم يستعتبون ) يقال استعتبته فأعتبني : أي
استرضيته فأرضاني ، وذلك إذا كنت جانيا عليه ، وحقيقة أعتبته أزلت عتبه ، والمعنى : أنهم لا يدعون إلى إزالة
عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إلى ذلك في الدنيا ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) أي من كل
مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله وصدق رسله واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك ( ولئن
جئتهم بآية ) من آيات القران الناطقة بذلك ، أو لئن جئتهم بآية كالعصا واليد ( ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا
مبطلون ) أي ما أنت يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أصحاب أباطيل تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان
( كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ) أي مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الفاقدين للعلم النافع الذي
يهتدون به إلى الحق وينجون به من الباطل ، ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر معللا لذلك
بحقية وعد الله وعدم الخلف فيه ، فقال ( فاصبر ) على ما تسمعه منهم من الأذى وتنظره من الأفعال الكفرية فإن
الله قد وعدك بالنصر عليهم وإعلاء حجتك وإظهار دعوتك ووعده حق لا خلف فيه ( ولا يستخفنك الذين
لا يوقنون ) أي لا يحملنك على الخفة ويستفزنك عن دينك وما أنت عليه الذين لا يوقنون بالله ولا يصدقون أنبياءه
ولا يؤمنون بكتبه ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يقال استخف فلان فلانا : أي استجهله حتى حمله
على اتباعه في الغي . قرأ الجمهور " يستخفنك " بالخاء المعجمة والفاء ، وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق بحاء مهملة
وقاف من الاستحقاق ، والنهي في الآية من باب : لا أرينك هاهنا .
فتح القدير — صفحة 232
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٢