تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
القراءة فيه ( فترى الودق يخرج من خلاله ) الودق المطر ، ومن خلاله من وسطه . وقرأ أبو العالية والضحاك " يخرج من خلله " ( فإذا أصاب به ) أي بالمطر ( من يشاء من عباده ) أي بلادهم وأرضهم ( إذا هم يستبشرون ) إذا هي الفجائية : أي فاجئوا الاستبشار بمجيء المطر ، والاستبشار الفرح ( وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم ) أي من قبل أن ينزل عليهم المطر ، وإن هي المخففة وفيها ضمير شأن مقدر هو اسمها : أي وإن الشأن كانوا من قبل أن ينزل عليهم ، وقوله ( من قبله ) تكرير للتأكيد ، قاله الأخفش وأكثر النحويين كما حكاه عنهم النحاس . وقال قطرب : إن الضمير في قبله راجع إلى المطر : أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر . وقيل المعنى : من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع والمطر ، وقيل من قبل أن ينزل عليهم من قبل السحاب : أي من قبل رؤيته ، واختار هذا النحاس . وقيل الضمير عائد إلى الكسف ، وقيل إلى الإرسال ، وقيل إلى الاستبشار . والراجح الوجه الأول ، وما بعده من هذه الوجوه كلها ففي غاية التكلف والتعسف ، وخبر كان ( لمبلسين ) أي آيسين حديث أو بائسين . وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا ( فانظر إلى أثر رحمت الله ) الناشئة عن إنزال المطر من النبات والثمار والزرائع لأنه التي بها يكون الخصب ورخاء العيش : أي انظر نظر اعتبار واستبصار لتستدل بذلك على توحيد الله وتفرده بهذا الصنع العجيب . قرأ الجمهور " أثر " بالتوحيد . وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي آثار بالجمع ( كيف يحيي الأرض بعد موتها ) فاعل الإحياء ضمير يعود إلى الله سبحانه ، وقيل ضمير يعود إلى الأثر ، وهذه الجملة في محل نصب بانظر : أي انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض . وقرأ الجحدري وأبو حيوة " تحيي " بالفوقية على أن فاعله ضمير يعود إلى الرحمة أو إلى الآثار على قراءة من قرأ بالجمع ، والإشارة بقوله ( إن ذلك ) إلى الله سبحانه : أي إن الله العظيم الشأن المخترع لهذه الأشياء المذكورة ( لمحيي الموتى ) أي لقادر على إحيائهم في الآخرة وبعثهم ومجازاتهم كما أحيا الأرض الميتة بالمطر ( وهو على كل شئ قدير ) أي عظيم القدرة كثيرها ( ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ) الضمير في فرأوه يرجع إلى الزرع والنبات الذي كان من أثر رحمة الله : أي فرأوه مصفرا من البرد الناشئ عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره . وقيل راجع إلى الريح ، وهو يجوز تذكيره وتأنيثه . وقيل راجع إلى الأثر المدلول عليه بالآثار . وقيل راجع إلى السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر ، والأول أولى . واللام هي الموطئة ، وجواب القسم ( لظلوا من بعده يكفرون ) وهو يسد مسد جواب الشرط . والمعنى : ولئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة ، فضربت زرعهم بالصفار لظلوا من بعد ذلك يكفرون بالله ويجحدون نعمه ، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم وعدم صبرهم وضعف قلوبهم ، وليس كذا حال أهل الإيمان . ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال ( فإنك لا تسمع الموتى ) إذا دعوتهم ، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم للحقائق ومعرفتهم للصواب ( ولا تسمع الصم الدعاء ) إذا دعوتهم إلى الحق ووعظتهم بمواعظ الله ، وذكرتهم الآخرة وما فيها . وقوله ( إذا ولوا مدبرين ) بيان لإعراضهم عن الحق بعد بيان كونهم كالأموات وكونهم صم الآذان ، قد تقدم تفسير هذا في سورة النمل . ثم وصفهم بالعمى فقال ( وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم ) لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي ، أو لفقدهم للبصائر ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) أي ما تسمع إلا هؤلاء لكونهم أهل التفكر والتدبر والاستدلال بالآثار على المؤثر ( فهم مسلمون ) أي منقادون للحق متبعون له ( الله الذي خلقكم من ضعف ) ذكر سبحانه استدلالا آخر على كمال قدرته ، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة ، ومعنى من ضعف : من نطفة . قال الواحدي : قال المفسرون : من نطفة ، والمعنى من ذي ضعف . وقيل المراد حال الطفولية والصغر ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) وهي قوة الشباب ، فإنه إذ ذاك تستحكم القوة وتشتد الخلقة إلى بلوغ النهاية