تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
هذه الهدية ، وسيأتي في آخر البحث بيان ما هو أقرب ما قيل إلى الصواب والصحة ( فلما جاء سليمان ) أي فلما جاء رسولها المرسل بالهدية سليمان ، والمراد بهذا المضمر الجنس فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها : " بم يرجع المرسلون " وقرأ عبد الله " فلما جاءوا سليمان " أي الرسل ، وجملة ( قال أتمدونن بمال ) مستأنفة جواب سؤال مقدر والاستفهام للإستنكار : أي قال منكرا لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه وكثرة ماله . وقرأ حمزة بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ، والباقون بنونين من غير إدغام ، وأما الياء فإن نافعا وأبا عمرو وحمزة يثبتونها وصلا ويحذفونها وقفا ، وابن كثير يثبتها في الحالين ، والباقون يحذفونها في الحالين . وروي عن نافع أن يقرأ بنون واحدة ( فما آتاني الله خير مما آتاكم ) أي ما آتاني من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته . قرأ أبو عمرو ونافع وحفص " آتاني الله " بياء مفتوحة وقرأ يعقوب بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل ، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والوقف . ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم فقال ( بل أنتم بهديتكم تفرحون ) توبيخا لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء ، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي ، لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدا من العالمين ، ومع ذلك أكرمني بالنبوة . والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم والحط عليهم ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ) أي قال سليمان للرسول : ارجع إليهم : أي إلى بلقيس وقومها ، وخاطب المفرد هاهنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل ، إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط ، أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا وخاطبهم معه فيما سبق افتنانا في الكلام . وقرأ عبد الله بن عباس " ارجعوا " وقيل إن الضمير يرجع إلى الهدهد ، واللام في لنأتينهم جواب قسم محذوف . قال النحاس : وسمعت ابن كيسان يقول : هي لام توكيد ولام أمر ولام خفض ، وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشئ إلى أصله ، وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية ، ومعنى " لا قبل لهم " : لا طاقة لهم بها ، والجملة في محل جر صفة لجنود ( ولنخرجنهم ) معطوف على جواب القسم : أي لنخرجنهم من أرضهم التي هم فيها ( أذلة ) أي حال كونهم أذلة بعد ما كانوا أعزة ، وجملة ( وهم صاغرون ) في محل نصب على الحال ، قيل وهي حال مؤكدة لأن الصغار هو الذلة ، وقيل إن المراد بالصغار هنا الأسر والاستعباد ، وقيل إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة . ولما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان ، وأخبر جبريل سليمان بذلك ف ( قال ) سليمان ( يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ) أي عرش بلقيس الذي تقدم وصفه بالعظم ( قيل أن يأتوني مسلمين ) أي قبل أن تأتيني هي وقومها مسلمين . قيل إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا ، لأنها إذا أسلمت وأسلم قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضاهم . قال ابن عطية : وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان هي بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب ، وعلى هذا جمهور المتأولين . وقيل استدعاء العرش قبل وصولها ليريها القدرة التي هي من عند الله ويجعله دليلا على نبوته ، وقيل أراد أن يختبر عقلها ولهذا ( قال نكروا لها عرشها ) الخ ، وقيل أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم ، والقول الأول هو الذي عليه الأكثر ( قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) قرأ الجمهور بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء ، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي وابن السميفع وأبو السمال " عفريه " بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء رويت هذه القراءة عن أبي بكر الصديق . وقرأ أبو حيان بفتح العين . والعفريت المارد الغليظ الشديد . قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت ، وقال قتادة : هو الداهية ، وقيل هو رئيس الجن . قال ابن عطية : وقرأت فرقة " عفر " بكسر العين جمعه على عفار ، ومما ورد من أشعار العرب مطابقا لقراءة الجمهور ما أنشده الكسائي