فقال شيطان لهم عفريت * مالكم مكث ولا تبييت
ومما ورد على القراءة الثانية قول ذي الرمة :
كأنه كوكب في إثر عفرية * مصوب في سواد الليل منقضب
ومعنى قول العفريت أنه سيأتي بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكومة بين الناس
( وإني عليه لقوي أمين ) إني لقوي على حمله أمين على ما فيه . قيل اسم هذا العفريت كودن ذكره النحاس عن
وهب بن منبه . وقال السهيلي ذكوان ، وقيل اسمه دعوان ، وقيل صخر . وقوله : ( آتيك ) فعل مضارع ، وأصله
أأتيك بهمزتين ، فأبدلت الثانية ألفا ، وقيل هو اسم فاعل ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن
يرتد إليك طرفك ) قال أكثر المفسرين : اسم هذا الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا ، وهو من بني
إسرائيل ، وكان وزيرا لسليمان ، وكان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى . قال
ابن عطية : وقالت فرقة هو سليمان نفسه ، ويكون الخطاب على هذا للعفريت : كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت
فقال له تحقيرا له ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) وقيل هو جبريل ، وقيل الخضر والأول أولى . وقد قيل
غير ذلك بما لا أصل له . والمراد بالطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر وارتداده انضمامها . وقيل هو بمعنى
المطروف : أي الشئ الذي ينظره ، وقيل هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك : افعل ذلك
في لحظة . قاله مجاهد . وقال سعيد بن جبير : إنه قال لسليمان : انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به ، فوضعه بين
يديه . والمعنى : حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء ، والأول أولى هذه الأقوال . ثم الثالث ( فلما رآه
مستقرا عنده ) قيل في الآية حذف ، والتقدير : فأذن له سليمان فدعا الله فأتى به ، فلما رآه سليمان مستقرا عنده : أي
رأى العرش حاضرا لديه ( قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) الإشارة بقوله هذا إلى حضور العرش ،
ليبلوني : أي ليختبرني أشكره بذلك وأعترف أنه من فضله من غير حول مني ولا قوة أم أكفر بترك الشكر وعدم
القيام به . قال الأخفش : المعنى لينظر أأشكر أم أكفر ، وقال غيره : معنى ليبلوني ليتعبدني ، وهو مجاز ، والأصل
في الابتلاء الاختبار ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها ، والمعنى : أنه
لا يرجع نفع ذلك إلا إلى الشاكر ( ومن كفر ) بترك الشكر ( فإن ربي غني ) عن شكره ( كريم ) في ترك المعالجة
بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها ، وأم في " أم أكفر " هي المتصلة .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم )
يقول : كن قريبا منهم ( فانظر ماذا يرجعون ) فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها فقرئ عليها
فإذا فيه " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " . وأخرج ابن مردويه عنه ( كتاب كريم ) قال : مختوم
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتب " باسمك اللهم " حتى نزلت
( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " . وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك مرفوعا مثله . وأخرج ابن
أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أفتوني في أمري ) قال : جمعت رؤوس مملكتها فشاورتهم في رأيها ، فأجمع رأيهم
ورأيها على أن يغزوه ، فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت : أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله ، وإن
ردها تابعته فهو نبي ، فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم ، فأمر الشياطين فموهوا ألف قصر من ذهب
وفضة ، فلما رأت رسلها قصور الذهب قالوا : ما يصنع هذا بهديتنا وقصوره ذهب وفضة ، فلما دخلوا عليه
بهديتها ( قال أتمدونن بمال ) ثم قال سليمان ( أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ) فقال كاتب سليمان : ارفع
فتح القدير — صفحة 139
مساهمون: الشوكاني
ص١٣٩