جملة ( قال سننظر ) مستأنفة جواب سؤال مقدر : أي قال سليمان للهدهد : سننظر فيما أخبرتنا به من هذه
القصة ( أصدقت ) فيما قلت ( أم كنت من الكاذبين ) هذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على أنها مفعول
سننظر ، وأم هي المتصلة ، وقوله ( أم كنت من الكاذبين ) أبلغ من قوله أم كذبت ، لأن المعنى : من الذين
اتصفوا بالكذب وصار خلقا لهم . والنظر هو التأمل والتصفح ، وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار والكشف عن
الحقائق ، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه . ثم بين سليمان هذا
النظر الذي وعد به فقال ( إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ) أي إلى أهل سبأ . قال الزجاج : في ألقه خمسة أوجه :
إثبات الياء في اللفظ وحذفها ، وإثبات الكسرة للدلالة عليها ، وبضم الهاء وإثبات الواو ، وبحذف الواو وإثبات
الضمة للدلالة عليها ، وبإسكان الهاء . وقرأ بهذه اللغة الخامسة أبو عمرو وحمزة وأبو بكر . وقرأ قالون بكسر الهاء
فقط من غير ياء . وروى عن هشام وجهان : إثبات الياء لفظا وحذفها مع كسر الهاء . وقرأ الباقون بإثبات الياء
في اللفظ ، وقوله " بكتابي هذا " يحتمل أن يكون اسم الإشارة صفة للكتاب ، وأن يكون بدلا منه ، وأن يكون
بيانا له ، وخص الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر بالقصة ولكونه رأى منه من مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه
أهلا للرسالة ( ثم تول عنهم ) أي تنح عنهم ، أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي
يتأدب بها رسل الملوك ، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع ، وقيل معنى التولي :
الرجوع إليه ، والأول أولى لقوله ( فانظر ماذا يرجعون ) أي تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول
وما يتراجعونه بينهم من الكلام ( قالت ) أي بلقيس ( يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ) في الكلام حذف ،
فتح القدير — صفحة 136
مساهمون: الشوكاني
ص١٣٦