تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
شيئا ، فأراد أن يمتحنها ، وقيل خافت الجن أن يتزوج بها سليمان ، فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا ، فقالوا لسليمان إنها ضعيفة العقل ورجلها كرجل الحمار ، وقوله ( ننظر ) بالجزم على أنه جواب الأمر ، وبالجزم قرأ الجمهور ، وقرأ أبو حيان بالرفع على الاستئناف ( أتهتدي ) إلى معرفته ، أو إلى الإيمان بالله ( أم تكون من الذين لا يهتدون ) إلى ذلك ( فلما جاءت ) أي بلقيس إلى سليمان ( قيل ) لها ، والقائل هو سليمان ، أو غيره بأمره ( أهكذا عرشك ) لم يقل هذا عرشك لئلا يكون ذلك تلقينا لها فلا يتم الاختبار لعقلها ( قالت كأنه هو ) قال مجاهد : جعلت تعرف وتنكر وتعجب من حضوره عند سليمان ، فقالت : كأنه هو . وقال مقاتل : عرفته ولكنه شبهت عليهم كما شبهوا عليها ، ولو قيل لها : أهذا عرشك لقالت نعم . وقال عكرمة : كانت حكيمة ، قالت : إن قلت هو هو خشيت أن أكذب ، وإن قلت لا خشيت أن أكذب ، فقالت كأنه هو ، وقيل أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له ( وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ) قيل هو من كلام بلقيس : أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش " وكنا مسلمين " منقادين لأمره . وقيل هو من قول سليمان : أي أوتينا العلم بقدرة الله من قبل بلقيس ، وقيل أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبلها : أي من قبل مجيئها ، وقيل هو من كلام قوم سليمان . والقول الثاني أرجح من سائر الأقوال ( وصدها ما كانت تعبد من دون الله ) هذا من كلام الله سبحانه بيان لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام . ففاعل صد هو ما كانت تعبد : أي منعها من إظهار الإيمان ما كانت تعبده ، وهي الشمس . قال النحاس : أي صدها عبادتها من دون الله ، وقيل فاعل صد هو الله : أي منعها الله ما كانت تعبد من دونه فتكون " ما " في محل نصب ، وقيل الفاعل سليمان : أي ومنعها سليمان ما كانت تعبد ، والأول أولى ، والجملة مستأنفة للبيان كما ذكرنا ، وجملة ( إنها كانت من قوم كافرين ) تعليل للجملة الأولى : أي سبب تأخرها عن عبادة الله ، ومنع ما كانت تعبده عن ذلك أنها كانت من قوم متصفين بالكفر . قرأ الجمهور " إنها " بالكسر . وقرأ أبو حيان بالفتح . وفي هذه القراءة وجهان : أحدهما أن الجملة بدل مما كانت تعبد . والثاني أن التقدير : لأنها كانت تعبد ، فسقط حرف التعليل ( قيل لها ادخلي الصرح ) . قال أبو عبيدة : الصرح القصر . وقال الزجاج : الصرح الصحن . يقال هذه صرحة الدار وقاعتها . قال ابن قتيبة : الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير وجعل تحته ماء وسمك . وحكى أبو عبيد في الغريب أن الصرح كل بناء عال مرتفع ، وأن الممرد الطويل ( فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) أي فلما رأت الصرح بين يديها حسبت أنه لجة ، واللجة معظم الماء . فلذلك كشفت عن ساقيها لتخوض الماء ، فلما فعلت ذلك ( قال ) سليمان ( إنه صرح ممرد من قوارير ) الممرد المحكوك المملس ، ومنه الأمرد ، وتمرد الرجل إذا لم تخرج لحيته ، قاله الفراء . ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق لها . والممرد أيضا المطول ، ومنه قيل للحصن ما رد ، ومنه قول الشاعر : غدوت صباحا باكرا فوجدتهم * قبيل الضحى في السابري الممرد أي الدروع الواسعة الطويلة ، فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت ، و ( قالت رب إني ظلمت نفسي ) أي بما كنت عليه من عبادة غيرك ، وقيل بالظن الذي توهمته في سليمان ، لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في اللجة ، والأول أولى ( وأسلمت مع سليمان ) متابعة له داخلة في دينه ( لله رب العالمين ) التفتت من الحطاب إلى الغيبة ، قيل لإظهار معرفتها بالله ، والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف من الدلالة على جميع الأسماء ، ولكونه علما للذات .
فتح القدير — صفحة 141 | الشوكاني