يخف غائلتهم ومكيدتهم ، فإن خاف ذلك كأن يكون الطالب جاسوسا يخاف شره لم يجبهم .
والأصل في ذلك خبر مسلم عن بريدة كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أمر أميرا على جيش أو سرية
أوصاه إلى أن قال : فإن هم أبوا فسلهم الجزية ، فإن هم أجابوا فأقبل منهم ، وكف عنهم ، ويستثنى
الأسير إذا طلب عقدها فلا يجب تقريره به . وقولي وأمن أولى من قوله إلا جاسوسا يخافه .
( و ) شرط ( في المعقود له كونه متمسكا بكتاب ) كتوراة وإنجيل وصحف إبراهيم وشيث
وزبور داود سواء أكان المتمسك كتابيا ، ولو من أحد أبويه بأن اختاره أم مجوسيا ( لجد ) له
( أعلى لم نعلم ) نحن ( تمسكه به بعد نسخه ) بأن علمنا تمسكه به قبل نسخه أو معه ، أو شككنا
في وقته ولو كان تمسكه به بعد التبديل فيه ، وإن لم يجتنب المبدل منه وذلك للآية وخبر
البخاري السابقين ، وتغليبا لحقن الدم ، أما إذا علمنا تمسك الجد به بعد نسخه كمن تهود بعد
بعثة عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام فلا تعقد الجزية لفرعه لتمسكه بدين سقطت حرمته ،
ولا لمن لا كتاب له ولا شبهة كعبدة الأوثان والشمس والملائكة وحكم السامرة
والصابئة هنا كهو في النكاح ، إلا أن يشكل أمرهم فيقرون بالجزية . فتعبيري بما ذكر أعم وأولى
من تعبيره بما ذكره ( حرا غير صبي ومجنون ) ولو سكران وزمنا وهرما وأعمى وراهبا وأجيرا
وفقيرا ، لان الجزية كأجرة الدار ولأنها تؤخذ لحقن الدم . فلا جزية على من به رق وأنثى وخنثى
وصبي ومجنون لان كلا منهم محقون الدم والآية السابقة في الذكور . وقد كتب عمر
رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد أن لا تأخذوا الجزية من النساء والصبيان . رواه البيهقي بإسناد
صحيح ، فلو طلب الخنثى والمرأة عقد الذمة في الجزية أعلمهما الامام بأنه لا جزية عليهما ،
فإن رغبا في بذلها فهي هبة ولو بان خنثى المعقود له ذكرا طالبناه بجزية المدة الماضية عملا
بما في نفس الامر ، ( وتلفق إفاقة جنون ) أي أزمنتها إن ( كثر ) الجنون وأمكن تلفيقها ، فإن بلغت
سنة وجبت الجزية اعتبارا للأزمنة المتفرقة بالمجتمعة وخرج بكثر ما لو قل زمن الجنون كساعة
من شهر فلا أثر له ،
( ولو كمل ) ببلوغ أو إفاقة أو عتق ( عقد له إن التزم جزية ) فلا يكفي بعقد متبوعه ، ( وإلا )
أي وإن لم يلتزمها ( بلغ المأمن ) لأنه كان في أمان متبوعه . وتعبيري بكمل أعم من تعبيره ببلغ .
( و ) شرط ( في المكان قبوله ) للتقرير ( فيمنع كافر ) ولو ذميا ( إقامة بالحجاز وهو مكة والمدينة
واليمامة وطرفها ) أي الثلاثة ( وقراها ) كالطائف لمكة وخيبر للمدينة . روى البيهقي عن أبي
عبيدة ابن الجراح آخر ما تكلم به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخرجوا اليهود من الحجاز وروى
الشيخان خبر أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ومسلم خبر لأخرجن اليهود
والنصارى من جزيرة العرب . والقصد منها الحجاز المشتملة عليه . وتعبيري بالإقامة أعم من
فتح الوهاب — صفحة 311
مساهمون: زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
ص٣١١