شرح
السيرة ، وهو مرتبة وراء العدالة ، تبعث على ترك المكروهات ، والتجنب عن
الشبهات والرخص .
وقيل : إن التقوى : هو التجنب عن الشبهات لئلا يقع في المحرمات ، والورع : هو
التجنب عن المباحات لئلا يقع في الشبهات .والظاهر أن هذه الأمور معتبرة في الفرد الأقوى ، إذ الظاهر : إن العدل متق ، بل
أقل منه أيضا : فإن الرغبة والرهبة ، والعمل بسببهما ، تركا وفعلا ، مكروها
ومندوبا ، واجبا وحراما ، تقبل الشدة والضعف ، والكثرة والقلة ، ولها مراتب
بعضها فوق بعض ، فالمتصف بالأكثر منها أتقى وأعلى مرتبة في التقرب ، فهو أكرم :
لأن من يترك كثيرا ، من التي هي عمدة في التقرب مثل تحصيل العلوم ،
والعبادات الشاقة الكثيرة ، وقضاء حوائج المؤمنين ، مع أنه يتجنب الشبهات
وويتورع عن المباحات يكون أتقى وأكرم على الله ؟ ! ، بل الأمر بالعكس : لأن
الظاهر : أن الأكرمية باعتبار الاتصاف بالأوصاف المقربة ، فمن اتصف بالأكثر
والأعلى ، فهو الأكرم عند الله .
ففي التعريفين المنقولين ( 1 ) تأمل ، فتأمل ، وتؤل ، فإنه غير بعيد ، والمقصود ظاهر .
فحينئذ ينبغي تقديم من فيه الوصف أظهر ، وظن التقرب الإلهي أكثر .
وإني أظن أنه مقدم في جميع المراتب ، لأن الظاهر أن الغرض من الاجتماع ،
وتقديم من فيه زيادة وصف حسن ، هو زيادة التقرب إلى الله . فكل من يكون
اتصافه بالوصف المقرب أكثر ، يكون تقديمه أولى ، ولا شئ أقرب من التقوى إليه ،
لقوله تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( 2 ) ) وهو ظاهر .
ولعل السكوت عنه لظهوره ، وتقديم الأقرء والأفقه وغيرهما لمظنة ذلك ، والله
يعلم .
هامش
( 1 ) المراد بالتعريفين ، أحدهما قوله ( الأقوى التزاما الخ ) وثانيهما قوله ( وقيل إن التقوى الخ )
( 2 ) الحجرات : 13