شرح
ما جاءهم عن اللَّه تعالى لإثبات الحجة ونفى الشبهة ، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث اللَّه في خلقه ، فيختطفها ، ثم يهبط بها إلى الأرض ، فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد كلمات من عنده ، فيخلط الحق بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به هو ما أداه إليه شيطانه مما سمعه ، وما أخطأ فيه فهو من الباطل ما زاد فيه ، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة ، واليوم إنما تؤدى الشياطين إلى كهانها اخبار الناس بما يتحدثون ، والشياطين تؤدى إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق ، ومن قاتل قتل ، وهم بمنزلة الناس صدوق وكذوب .
ذكر المصنف ( ره ) احتمالين في قوله مع قذف في قلبه : ( الأول ) - كونه قيدا لفطنة الروح ، فيكون الحاصل أن المنشأ لخبر الكاهن عن الحوادث أمور شتى ، ( منها ) ما يرجع إلى نفسه فقط ، كفراسة عينه وذكاء قلبه ووسوسة نفسه ، و ( منها ) ما يرجع إلى المجموع من فطنة روحه وقذف الشيطان في قلبه ، ويساعد هذا الاحتمال ما عن النهاية من قوله وقد كان في العرب كهنة ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن يلقى إليه الاخبار ، ومنهم ومن كان يزعم أنه يعرف الأمور ( الحوادث ) بمقدمات وأسباب يستدل بها ( بالمقدمات ) على مواقعها ( على موارد الحوادث ومواضعها ) من كلام من سأله أو فعله أو حاله ( بيان للمقدمات ) فان ظاهر هذا الكلام إمكان كون المنشأ في اخبار الكاهن الأمر الراجع إلى نفسه فقط .
( الاحتمال الثاني ) كونه قيدا لجميع ما ذكر فيكون الحاصل ان منشأ اخبار الكاهن هو المجموع من الأمر الراجع إلى نفسه وقذف الشيطان ، وجعل ( ره ) قوله - فيما بعد ( فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحق بالباطل ) - قرينة على هذا الاحتمال ، وكان هذا باعتبار أن المستفاد من قوله ( فإذا قد زاد ) أن الكاهن يزيد في خبره كلمات من عنده ، فيكون الخطاء فيه باعتبار هذا الخلط .