« على ترك التحكّم » أي الحكم في الأشياء بالتشهّي والهوى بترجيح شيء على شيء وإيثار أمر دون أمر . وعلى قطع الاختيار ، فلا يختار حالاً دون حال ، لأنّه مختار باختيار الله فلا اختيار له . ويلزمه إسقاط التمييز ، فكلّ ما يختاره الله تعالى له فهو مختار له ، حسن عنده ، ولو أدخله الله النار لم يميّزها من الجنّة ، ولا يختار إلاّ النار ، ولا يكون ذلك إلاّ لأهل المحبّة ( 1 ) .
سؤال وجواب
قد يُقال : إنّ رضا العبد وسروره فيما أحبّ سهل لأنّه موافق لطبعه ، وأمّا رضاه فيما كرهه فصعب لأنّه مخالف لطبعه ، وميله إلى شيء وإلى ضدّه مشكل ، ومن ثمّة ذهب جماعة إلى أنّ الرضا بما يستكرهه الطبع ويخالف هوى النفس - كالبلايا والمصائب - غير ممكن ، وغاية ما يمكن هو الصبر عنه .
والجواب عنه : أنّ الرضا ثمرة المحبّة الكاملة ، ومحبّة العبد للربّ إذا بلغت حدّ الكمال يمكن أن يرجّح إرادته على إرادة نفسه ، بل يمكن أن لا يرى لنفسه مراداً غير مراده تعالى ؛ لاستغراقه في بحر المحبّة ، أو لأنّ فعل المحبوب مثله محبوب ، أو لأنّه لا يجد في نفسه الألم لاشتغال قلبه به وغفلته عن نفسه ، فضلاً عن الأمور الموافقة لها ، كما أنّ المجاهد لتوغّله في الجهاد قد لا يجد ألم الجراحة ، وبالجملة هو أمرٌ ممكن إلاّ أنّه صعب نادر .
هامش
( 1 ) ينظر هذه الدرجات في شرح منازل السائرين للقاساني ، مصدر سابق : ص 204 - 209 .