يكشف هذا النصّ أنّ الرضا فوق اليقين ، واليقين فوق الورع ، والورع فوق الزهد . وجه الترتيب : « حبّ الدُّنيا رأس كلّ خطيئة » ( 1 ) ، فلا بدّ للسالك من الزهد فيها أوّلاً ، ثمّ بعد الزهد يسهل له ترك المعصية ، لأنّ المعاصي كلّها عائدة إلى حبّ الدُّنيا ، فيحصل له مرتبة الورع ، فإذا حصلت هذه المرتبة قرب من الحقّ ، فيحصل له مرتبة عين اليقين أو حقّ اليقين . واليقين يوجب المحبّة فيحصل له الرضا ; لأنّ الرضا لازم للمحبّة وتابع له . ثمّ إنّ لكلّ واحد من هذه المقامات عشرة أجزاء ، كلّ جزء يصدق عليه اسم الكلّ ، فلكلّ جزء من الزهد مثلاً زهد ، فله أفراد متفاوتة ، والظاهر أنّ كلّ جزء فوقانيّ مشتمل على جزء تحتانيّ مع زيادة ، فيكون هذا الجزء العاشر من الزهد مثلاً هو الزهد على وجه الكمال ، وإنّما قلنا الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون العاشر جزء من الزهد الكامل كالسوابق . وإن شئت زيادة توضيح ، فنقول على سبيل الإجمال : إنّ كلّ خصلة من خصال الخير ليست لها مرتبة شخصيّة لا تقبل الزيادة والنقصان ، بل لها عرض عريض يمكن أن يفرض فيها درجات بعضها فوق بعض ، والعلم بتلك الدرجات تفصيلاً وتعييناً ليس في وسعنا وإنّما هو عند أهله ، فَفَرَضها عشرة وبيّن مراتبها على سبيل الإجمال ، وتفاوت مراتب بعض الخصال على سبيل التفصيل ، وأشار بذلك إلى أنّ الرضا فوق الجميع .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 391
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٩١
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 131 ، الحديث : 11 .