من هنا يرى كلّ ما قسّم له واصلاً إليه ، وكلّ ما لم يقدّر له ممتنع الحصول له ، فلا يلحّ في المسألة ولا يسأل أحداً شيئاً ، إلاّ إذا ظنّ أنّ المطلوب يمكن أن يكون موقوفاً على السؤال ، فسأل وأجمل في السؤال والطلب . وهذا المقام لا يحصل للإنسان إلاّ بعد أن يكون أعلم الناس بالله تعالى ، عن ليث المرادي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : « إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّ وجلّ » ( 1 ) وذلك لأنّ الرضا به ثمرة المحبّة ، والمحبّة تابعة للعلم به تعالى ، فكلّما زاد العلم زادت المحبّة ، وكلّما زادت المحبّة زاد الرضا به ، ألا ترى أنّ المحبّة إذا بلغت حدّ الكمال وجد المحبّ كلّما صدر من الحبيب لذيذاً موافقاً لطبعه ، وإن كان كريهاً بالنسبة إلى الغير . وبهذا يتّضح أنّ للرضا بقضاء الله وقدره مراتب متعدّدة قابلة للشدّة والضعف ، وذلك لأنّ الرضا تابع للعلم والمعرفة ، وحيث إنّهما لهما مراتب مختلفة ، فيكون الرضا أيضاً كذلك .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 386
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٨٦
يعدّ رضاه تعالى من أوصافه الفعليّة دون الذاتيّة ، فإنّه لا يوصف لذاته بما يصير معه معرضاً للتغيير والتبدّل ، كأن يعرضه حال السخط إذا عصاه ثمّ الرضا إذا تاب إليه ، وإنّما يرضى ويسخط بمعنى أنّه يعامل عبده معاملة الراضي من إنزال الرحمة وإيتاء النِّعمة ، أو معاملة الساخط من منع الرحمة وتسليط النقمة والعقوبة . ولذلك كان من
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 60 ، الحديث : 2 .