المختلطة ، ليُجعل كلّ جنس مع جنسه . وأمّا التقيّة فهي التقوى . وأمّا العزّة فهي الجاه . والمراد بالتمييز هنا ، هو أن يفرّق التائب بين التقيّة الخالصة من الرياء ، وبين صورة التقيّة التي يُقصد بها العزّة والجاه بين الناس ، فإنّ كثيراً من المتّقين يتلبّس عليهم حالهم ، لأنّهم يفعلون التقيّة ونفوسهم تطلب بها الجاه والعزّة ، وهم يظنّون أنّهم أخلصوا العمل ، فمن لم يميّز بين التقيّة والعزّة لم يحصل له باطن حقيقة التوبة . ثانياً : نسيان الجناية . فهو الاشتغال عن ذكر الذنب بصفاء الوقت مع الله تعالى ، وقد قال مشايخ الصوفيّة : ذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء ، فمن لم يشغله صفو وقته مع الله تعالى عن ذكر الذنوب لم يحصل له باطن حقيقة التوبة . ثالثاً : التوبة من التوبة . فإنّ الاشتغال بالحقّ والتوجّه إليه بالكلّية والوفاء بعهد الفطرة ، ينفي تعلّق الخاطر بالغير وذكر الذنب ، وذلك يقتضي التوبة من التوبة الموقوفة على معرفة الذنب وذكره ، فإنّ التوكّل ينفي النظر إلى فعله وفعل ما سوى الحقّ ، والذنب والتوبة منه كلاهما من أفعاله ، فالتوبة من التوبة من أسرار التوبة » ( 1 ) . وهذا المعنى هو المعبّر عنه : أنّه فنى عن نفسه وتاب عنها وبقي مع الله ; أي ليس هناك شيء يتوب عنه . فإذا علمنا أنّ الفناء عن الفناء هو أعلى مراحل الفناء ، فإنّ التوبة عن التوبة هي أعلى مراحل التوبة ،
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 344
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٤٤
هامش
( 1 ) شرح التلمساني على منازل السائرين ، مصدر سابق : ص 64 ، وشرح القاساني على منازل السائرين ، مصدر سابق : ص 45 .