الفعل المفوّت ، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندماً . قال القاساني في شرحه على « منازل السائرين » : « فأصل التوبة أن يعظّم التائب جنايته ، وإلاّ لم يندم عليها ، والندم شرط التوبة ، فلا تتحقّق التوبة بدونه ، ومن لم يعظّم الجناية لم يستقبحها ، فلا يعزم على الرجوع عنها » ( 1 ) . فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والاستقبال . أمّا تعلّقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابساً ، وأمّا بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوّت للمحبوب إلى آخر العمر ، وأمّا بالماضي فيتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً لذلك . فالعلم هو الأوّل ، وهو مطلع هذه الخيرات ، وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين . فإنّ الإيمان عبارة عن التصديق بأنّ الذنوب سموم مهلكة ، واليقين عبارة عن تأكّد هذا التصديق وانتفاء الشكّ عنه واستيلائه على القلب ، فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم ، فيتألّم بها القلب ، حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنّه صار محجوباً عن محبوبه ، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة ، فيسطع النور بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب ، فرأى محبوبه وقد أشرف على الهلاك ، فتشتعل نيران الحبّ في قلبه ، وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 341
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٤١
هامش
( 1 ) منازل السائرين ، لأبي إسماعيل عبد الله الأنصاري ، شرح كمال الدِّين عبد الرزّاق القاساني ، تحقيق وتعليق : محسن بيدارفر ، انتشارات بيدار : ص 43 .