المنهج المعرفي لدى العرفاء . وممّا يقوله الجابري في مجال نقده لمنهج أهل العرفان : « هو في جانب منه موقف من العلم ، موقف نفسيّ وفكريّ ووجوديّ ، لا بل موقف عامّ من العالم ، يشمل الحياة والسلوك والمصير . والطابع العامّ الذي يسم هذا الموقف هو الانزواء والهروب من العالم والتشكّي من وضعيّة الإنسان فيه ، وبالتالي الجنوح إلى تضخيم الفرديّة والذاتيّة ، تضخيم العارف لأناهُ . ينطلق هذا الموقف ، أوّل ما ينطلق ، عن القلق والشعور بالخيبة إزاء الواقع الذي يجد العارف نفسه فيه : الواقع الذي يعيش فيه كنفس مقيّدة في بدن ، وكفرديّة مؤطّرة في مجتمع ; حيث لا يلقى إلاّ ما يُنغّص ويكدّ ، إلاّ ما يجعله يشعر بأنّه محاصر ومستبعد ، فيبدو العالم له شرّاً كلّه ، وتصبح مشكلته الأساسيّة بل الوحيدة هي مشكلة الشرّ في العالم : لماذا كان العالم يحتوي على الشرّ ؟ لماذا يطغى فيه الشرّ وما مصدره . . . » ( 1 ) . ويتابع القول : « . . الموقف العرفاني كان دائماً موقف هروب من عالم الواقع إلى عالم « العقل المستقيل » كلّما اشتدّت وطأة الواقع على الفرد الذي لا يعرف كيف يتجاوز فرديّته ، ويجعل من قضيّته الشخصيّة قضيّة جماعيّة وإن لزم الأمر قضيّة إنسانيّة » ( 2 ) . والسبب في ذلك بحسب رأيه أنّ العرفان « موقف سحريّ يلغي العالم ليجعل من « أنا »
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 240
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٢٤٠
هامش
( 1 ) تكوين العقل العربي ، مصدر سابق : ص 379 .
( 2 ) المصدر نفسه : ص 259 .