الثاني : القاعدة في القضاء أن الأصل البراءة ، ولا إدانة إلا بإقامة
البينة . هدف التشريع هنا ليس الإدانة بذاتها ، إنما إقامة إطار من العلاقات
يحترم باطن الفرد ويصون حرمته من طغيان الجماعة عليه ، ويصون
المجتمع من طيان الفرد . لذلك سن العقوبات الرادعة للفرد ، وجعل
الإدانة بالبينة ، لكي يحمي الفرد من التروات ، وجعل حدود نظر المجتمع
في شأنه يقف عند الظاهر ولا يتعدى إلى الباطن الذي هو ملك له
وحده ، ولا يحاسبه عليه إلا خالقه ، فلم يكن عقلائيا من قاعدة أصوب
من تلك لتحقيق هذه الغايات ، ولو صادف الحكم ببراءة مذنب في
واقع الحال فذلك لا يضر في تحقيق الغايات الكلية من التشريع ، وهذا
معاقب على كل حال من خالقه في الدنيا والآخرة الذي يعلم وحده
بباطن الإنسان ، وعدم اتباع هذه القواعد محصلته فوضى الأحكام ،
ووقوعها تحت سيطرة الأهواء ، وعموم الظلم والفساد ، أما اتباعها فهو
محقق لتلك الغايات الكلية التي هي موضع نظر التشريع هنا والتي هي
عين المصلحة اللازمة لسلامة الحياة ، ونصاب الحقيقة هنا هو صواب هذا
التشريع في مطابقة عين المصلحة الإنسانية وتحقيقها .
وهكذا فإن غايات التشريع تختلف من حيز إلى آخر في نواحي
الحياة ، وبعض القواعد لا يكشف عن عين الواقع في حيز الفقه والقضاء ،
ومثله ما قد يكون من بعض استنباطات الفقهاء ، وهو لا يحدث الخلل في
الغايات الكلية التي هي موضع نظر التشريع ضمن الحيز ذي الصلة ، واتباع الشريعة بجزئيتها وكليتها يحقق عين مصلحة الإنسان المعلومة
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 81
مساهمون: زهير بيطار
ص٨١