ما يصدر عنه وحيا * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * . ثم
كيف يختلط على الناس كلام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بكلام الله ،
وهم على سليقتهم السليمة ، وكلام الله له خصائص لا يشابه فيها كلام
رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أو سواه . ولماذا لم يكن هذا المحذور في
حياته حتى سجلت بعض السنة ، ثم أحرقت بعد وفاته ، كما أشرنا إليه قبل
قليل ، ولم يؤثر عنه نهي عن كتابتها ، بل أثر عنه الاعتناء بها والمحافظة
عليها ( 1 ) بل إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو عالم بكثرة الكذب عليه
في حياته وبعد وفاته لم يهمل الحفاظ على سننه ولا على كتاب الله ، فهو
هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم ج 1 ، ص 105 ، مسند أحمد ج 2 ص 162 ( قال عبد الله بن عمرو :
كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فنهتني قريش وقالوا :
تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ قال عبد
الله : فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأومأ إلى فيه
وقال : ( أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق ) وروى البخاري ج 1 ص 36
باب كتابة العلم " عن أبي هريرة قال : ما من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) أحد
أكثر حديثا عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب " .
وروى البخاري ج 2 ص 221 عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ( عليه
السلام ) قال : ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ( صلى الله عليه وآله )
في إشارة إلى الصحيفة الجامعة التي كتبها علي عليه السلام عن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) . وقد ظهر لنا خلال البحث كيف أن كثيرا من الصحابة كان لديهم صحف كتبوا
فيها سنة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فأبو بكر أحرق ما لديه حين تولى الخلافة ،
( وكان فيها خمسمائة حديث ) وعمر جمع ما كان لدى الصحابة منها وأحرقه ، وبعث إلى
الأمصار من كان عنده شئ فليمحه ; فهذه الحقائق كلها لا يمكن معارضتها بالرواية عن
أبي سعيد الخدري بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمر من كان عنده حديث مكتوب
فليمحه ، وهو من ناحية أخرى يعارض المنطق حين تعلم أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد
علم بالكذب عليه في حياته وأخبر أنه سيكون بعد وفاته ، ولما كانت الرواية عن
حفظ مدعاة للخطأ عن سهو أو كذب ، لذلك كان الأولى أن يأمر بالكتابة كما ظهر من
حديث عبد الله بن عمرو الذي يؤيده حديث أبي هريرة ، والأحاديث الأخرى التي تدل
على أنه كان كثير من الصحابة قد كتبوا إلى أن أحرق أبو بكر ثم عمر ما جمعوا منها
وأمر عمر بعدم الكتابة والحديث .