الذكر الجهل لا الجحود ، فالثاني هو من نتائج الأول ، ألا ترى أنه قال
* ( إن كنتم لا تعلمون ) * وجعل غاية السؤال تحصيل العلم بالكتب الإلهية
وبراهينها وليس مجرد تحصيل الخبر بأن النبي بشر أو الإيمان اختيار لا جبر
فيه . ولا سيما أن التسليم بالحقائق الربانية وإن كان ينفي الجحود ، لكن إن
لم يحرز صاحبه العلم ببراهينها لكي يعقلها فهذا من الجهل بها . ولذلك
فإن الإقرار بها لا يكفي في عملية الإيمان ، بل لا بد من فهم المبررات
والدلائل مما يستبطنه معنى العلم في قوله * ( لا تعلمون ) * ، وهكذا فإن الأمر
بتوجيه السؤال لأهل الذكر قد جاء للذين لا يعلمون ، وهذا يشمل المنكر
والذي أقر دونما علم ، وليس في النص ما يجزم بأن الخطاب خاص
بالمشركين ، وما إفتراض هذا التخصيص إلا بسبب أن فيها رد على بعض
مقولاتهم ، لكن هذه المقولات لم تكن خاصة بالمشركين في عصر النزول ،
ولن تكون كذلك بعده كما هو في علم الله تعالى الذي أنزل آياته للعمل
بها إلى يوم الدين ، فأما قضية الجبر فلقد ضل بها كثير من أهل الكتاب
وسنعود بالإشارة إليه لاحقا ، كما أنه اشتبه الأمر فيها على المسلمين ،
وأما حتمية بشرية المرسلين فلقد اشتبه فيها اليهود في عزير ( ع ) والنصارى
في عيسى ( ع ) . وهكذا فإن الشك بهذه الحقيقة وغيرها أو عدم فهم
مبرراتها بوضوح ، ليس حصرا على رؤوس الشرك الذين يطلقون مثل هذه
المقولات ، كما أنه ممكن حتى لسذج المسلمين ، وإن إطلاقها من قبل
المشركين ، له أن يثير تساؤل بعض المسلمين ، لا سيما أن الكثير منهم لم
يكونوا قد نضجوا في الإيمان لحداثة عهد بالجاهلية ، لذلك جاء النص
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 325
مساهمون: زهير بيطار
ص٣٢٥