هذا الحفظ لا بد أنه يشمل اللفظ والمضمون ، لأن تحريف المضمون
على غير ما يريده تعالى من القرآن يكون في ذاته تحريفا يتنافى مع الحفظ ،
ولا بد أن هذا الحفظ لا يعني عند الله فحسب ، ولو كان القصد من
الحفظ ذلك ، دون حفظه لدى الناس ، لكان تنزيله في الأصل عملا عبثيا ،
إذ يجعله غير متاح للناس ليهتدوا به ويناقض الهدف من الوحي ، بل قوله
تعالى * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * يرجح الدلالة على حفظ
الذكر المنزل ، فلا بد أنه حفظ ليكون متاحا للناس بوجهه الأصيل الذي
يريده تعالى .
على أن المعرفة على النحو المطابق لما يريده تعالى منه ، ليست متاحة
بالرأي والاستقراء كما أخبرنا تعالى * ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب
وأخر متشابهات فالذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء
تأويله ، ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل
من عند ربنا ) * فالمتشابه منه لا يعلم بالرأي ، وهذا ما ذمه تعالى بقوله
* ( يتبعون ما تشابه منه ابتغاء تأويله ) * واعتبر ذلك من زيغ القلوب ، لأن
تأويله بالرأي لا يغني من حقيقة مضمونه الذي * ( لا يعلم تأويله إلا
الله . . ) * لذلك فإن علم الناس به لا يكون إلا من الله ، أي لا يكون علمه
إلا عند من جعله الله لديهم ، وهذه محصلة طبيعية ، لأن ما كان علما لله
وحده فلا يعلم بالوسائل المتاحة من سماع ورواية واستقراء ، بل لا يكون
إلا جعلا إلهيا .
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 285
مساهمون: زهير بيطار
ص٢٨٥