إن مثل هذه العقائد تؤسس في شخصية المسلم التناقض الذي لا
حل له ، إذ يتوجب عليه أن يصدق بصواب القاتل والمقتول ، المعتدي
والمعتدى عليه ، الإمام العادل والمتمرد عليه ، والحاكم الجائر والثائر عليه ،
وبصواب من سجلت كتب السيرة عليه مآخذ قاتلة في السلوك
والأخلاق وسوى ذلك ، علما بأن مثل هذه التناقضات تخلق غموضا في
الدين ، ينعكس بخطورة على البنية النفسية للفرد والجماعة ، ويتجلى خللا
في الموقف والسلوك ، لذلك كان سهلا أن يقبل الناس الخضوع لولاة
الجور والسوء على مر القرون ، رغم تعارض ذلك مع روح الرسالة
ونصوص الشريعة ، مما أخرج الرسالة عن مجراها ، وعطل دورها الأممي ،
وأدى أخيرا إلى ذهاب ريح المسلمين .
ومن الواضح أن الاجتهاد في الإمامة جاء لاحقا لما كان قد
تأسس على أرض الواقع ، ونبت في مناخ من ولاية الأمر ظالم ، شديد
البطش والتسلط ، بعيد كل البعد عن معطيات الرسالة ، وجاء عندما
وصل ، كنتيجة لما حصل من قبل ، إلى الخلافة عن النبي ( صلى الله عليه
وآله ) من لم يعد فساد حالهم ولا فساد سلطانهم يسمح بتغطية نتائج
السقيفة بهالة من الزهد في شخص الخليفة ومن الغيرة على مصلحة الدين
في سلوكه ، من فساق بني أمية طلقاء الرسول وطردائه ، فأصبح النهج
كله بحاجة إلى مستند شرعي ، فكان ادعاء الاجتهاد في الإمامة على
النحو السابق الذكر ، لذا جاءت نتائجه محكومة بواقع الخلافة لا حاكمة
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 138
مساهمون: زهير بيطار
ص١٣٨