إن طبيعة الإسلام لجهة بنيته العقائدية والأخلاقية والتشريعية ،
وحقيقة كونه رسالة سماوية لا نظاما وضيعا بشريا ، وأن أهدافه تتمحور
حول هداية البشرية وصونها من الانحراف والضلال ، ودوره العالمي
والضرورة الملازمة له في استمرارية الدعوة إلى الناس بما بلغ النبي ( صلى
الله عليه وآله ) لكل الأجيال والأمم إلى يوم الدين ، ونهجه في التحرر من
كل عبودية وظلم ، يجعله حيثما وأينما كان مستهدفا من أصحاب
الترعات التسلطية ، والقيم المادية في داخل مجتمعه ، ومن طواغيت الكفر
والمال والمادية على الصعيد الأممي ، لما يشكل من تناقض جذري معها ،
وخطر على مصالحها ووجودها ، هذا كله يجعل موقع الإمامة الممسكة
بزمام القرار فيه ، بما لها من أثر بالغ على سلامة الرسالة وتوجهاتها
وعلاقة الأمم بها كقطب الرحى ، يتوقف عليها مسيرة الرسالة وصيانة
أصالتها ، ودرء التحريف عنها على مر العصور ، وخلال عملية اختراق
أنواع الحضارات والثقافات ، والتداول بين مختلف الشعوب واللغات ،
فالإسلام هكذا يكون أكثر من أي نظام آخر على الإطلاق ، لحكم
طبيعته وطبيعة أهدافه ، يقضي بأن يلحظ الشارع الأقدس في بنيته نظاما
للقيادة العليا ، لا ينتج إلا الإمامة التي قد مخضت الرسالة مخضا ، ولا يتيح
في أي حال إنتاج إمامة لا أهلية لها ، أو لا تنسجم مع تطلعاته
ومضامينه ، أو إمامة معادية له ، الأمر الذي يحرف المسيرة ويجهضها ،
ويلغي مبررات الرسالة والوحي الإلهيين في الهداية بالرسالة ، فالحاجة في
الإسلام على أشدها إلى أن تشخص لأتباعها الجهة التي تتجسسد فيها
تطلعاتها ، فتكون لها الولاية على الأمة والرسالة ، لما لوظيفتها من الخطورة
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 130
مساهمون: زهير بيطار
ص١٣٠