واللَّه ما ينتفع بهذا أمراؤكم ، وإنّكم لتشقّون على أنفسكم في دنياكم ، وتشقون به في آخريكم ، وما أخسر المشقّة ورءاها العقاب ، وأربح الدّعة معها الأمان من النّار . اشتدّوا : عدوا بين يديه ، والشقاء في الآخرة بذلك : لأنه تعظيم لغير اللَّه .
33 - وقال عليه السّلام لابنه الحسن : يا بنىّ ، احفظ عنّى أربعا ، وأربعا ، لا يضرّك ما عملت معهنّ : إنّ أغنى الغنى العقل ، وأكبر الفقر الحمق ، وأوحش الوحشة العجب ، وأكرم الحسب حسن الخلق . يا بنّىّ ، إيّاك ومصادقة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، وإيّاك ومصادقة البخيل فإنّه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه ، وإيّاك ومصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتّافه ، وإيّاك ومصادقة الكذّاب فإنّه كالسّراب : يقرّب عليك البعيد ، ويبعد عليك القريب . لمّا كان العقل أشرف من المال ، وأفضل ، كان الغنى به أفضل أنواع الغنى ، والفقر منه بالحمق أكثر أنواع الفقر . وامّا العجب بالنفس : فهو وما يلزمه من رذيلة الكبر أقوى الأسباب الموجبة لاستيحاش المعجب من الخلق ، لما يرى لنفسه من الفضيلة عليهم ، ولا يرى لنفسه قريبا ولا أهلا للمصاحبة ، وبحسب ذلك يكون نفرتهم منه ، ولذلك كان التواضع مستلزما لأنفسهم . والحسب ما يعد من المآثر ، وأشرفها الكمالات النفسانيّة الباقية . وقد يخصّ حسن الخلق في العرف بسعة الصدر والتواضع والبشاشة . والتافه : الشيء القليل . وباقي الفصل ظاهر .
وانّما قال : أربعا وأربعا لأن الأربع الأولى ، من باب اكتساب الفضائل الخلقيّة ، والثانية من باب المعاملة مع الخلق . وقيل : الأولى من باب الاثبات ، والثانية من باب النفي .
34 - وقال عليه السّلام : لا قربة بالنّوافل إذا أضرّت بالفرائض . فالإضرار بالفرائض : تخفيفها ، وتنقيص فضلها للتعب ، والملال من النافلة ، وأراد بنفي القربة : كمالها وفضيلتها .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 587
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٥٨٧