تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
إنّما فرّق بينهم مبادى طينهم ، وذلك أنّهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها ، وحزن تربة وسهلها ، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون ، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون ، فتامّ الرّواء ، ناقص العقل ، ومادّ القامة ، قصير الهمّة ، وزاكي العمل ، قبيح المنظر ، وقريب القعر ، بعيد السّبر ، ومعروف الضّريبة ، منكر الجليبة ، وتائه القلب ، متفرّق اللَّبّ ، وطليق اللَّسان ، حديد الجنان . أقول : الفصل إشارة إلى السبب المادّى لاختلاف الناس في الصور والاخلاق . والطين : إشارة إلى ما ذكره من التربة الممتزجة من السبخ ، والعذب ، والحزن ، والسهل : وهى الجزء الأرضي في الأبدان البشريّة ، وانّما خصصه بالذكر دون سائر العناصر ، لانّه الجزء الأرضي فيها كما علمت في الخطبة الأولى ، وظاهر انّ لتلك التربة بحسب ما يغلب عليها من الكيفيّات المذكورة أثرا عظيما في اختلاف الصور والاخلاق ، ففي الأغلب فيمن يتولَّد في البلاد السبخة ان يكون مزاجه حارا يابسا . وبحسب ذلك تكون نحافة بدنه وسرعة نزقه وما يتبع ذلك من ذميم الاخلاق أو حميدها ، وكذلك من عذبت تربته كان الأغلب عليه لطف الصورة وحسن الأخلاق . والفلقة : القطعة . وقوله : فتامّ الرواء إلى آخره : كالتفصيل لهم في تفاوتهم ، وذكر اقساما خمسة . والرواء : المنظر الحسن . والسبر : اختبار الباطن . وقريب القعر : كناية عن القصر . وقيل : لبعض الحكماء حين سئل ما بال القصير من الناس أدهى واحذق قال : لقرب قلبه من دماغه . وكأنه أراد انّ القلب لما كان مبدأ الحار الغريزي ، وكانت الاعراض النفسانية من الفطنة والذكاء والفهم والاقدام والوقاحة وحسن الظن وجودة الرجاء والنشاط ورجولية الاخلاق وقلَّة الكسل وقلة الانفعال عن الأشياء كل ذلك يدلّ على الحرارة ، وتوفّرها واضداد ذلك يدلّ على البرودة لا جرم كان قرب القلب من الدماغ في القصر ، لكونه سببا لتوفّر الحرارة في الدماغ ، وجودة استعداد القوى النفسانية فيه سببا لتلك الاعراض المذكورة ، وكان بعده منه في الطويل سببا لقلَّة الحرارة فيه وضعف استعداد القوى النفسانية لتلك الأعراض . والضريبة الخلق . والجليبة ما يجلبه الانسان ويتكلَّفه . وباللَّه التوفيق .