من سرور النّاس ببيعتهم إيّاى أن ابتهج بها الصّغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب ( 1 ) . أقول : التداكّ : الازدحام . والهيم : العطاش . والهدج : مشية الشيخ وهو مشى في ارتعاش ، والتحامل : تكلَّف المشي مع مشقة ، وحسرت : كشفت وجهها . والكعاب : بالفتح التي نهد ثديها . والفصل احتجاج على من خالفه من البغاة وهو في قوّة صغرى ضمير ، تقدير كبراه وكلّ ما فعلتم به ذلك فليس لكم ان تختلفوا عليه من بعد وتنكثوا بيعته .
219 - ومن خطبة له عليه السّلام
فإنّ تقوى اللَّه مفتاح سداد ، وذخيرة معاد ، وعتق من كلّ ملكة ، ونجاة من كلّ هلكة ، بها ينجح الطَّالب ، وينجو الهارب ، وتنال الرّغائب ، فاعملوا والعمل يرفع ، والتّوبة تنفع ، والدّعاء يسمع ، والحال هادئة ، والأقلام جارية ، وبادروا بالأعمال عمرا ناكسا ، أو مرضا حابسا ، أو موتا خالسا ، فإنّ الموت هادم لذّاتكم ، ومكدّر شهواتكم ، ومباعد طيّاتكم ، زائر غير محبوب ، وقرن غير مغلوب ، وواتر غير مطلوب ، قد أعلقتكم حبائله ، وتكنّفتكم غوائله ، وأقصدتكم معابله ، وعظمت فيكم سطوته ، وتتابعت عليكم عدوته ، وقلَّت عنكم نبوته ، فيوشك أن تغشاكم دواجى ظلله ، واحتدام علله ، وحنادس غمراته ، وغواشى سكراته ، وأليم إزهاقه ، ودجوّ إطباقه ، وجشوبة مذاقه ، فكأن قد أتاكم بغتة ، فأسكت نجيّكم ، وفرّق نديّكم ، وعفّى آثاركم ، وعطَّل دياركم ، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم ، بين حميم خاصّ لم ينفع ، وقريب محزون لم يمنع ، وآخر شامت لم يجزع ، فعليكم بالجدّ والاجتهاد ، والتّأهّب والاستعداد ، والتّزوّد في منزل الزّاد ، ولا تغرّنّكم الحياة الدّنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، الَّذين احتلبوا درّتها ، وأصابوا غرّتها ، وأفنوا عدّتها ، وأخلقوا جدّتها ، أصبحت مساكنهم أجداثا ، وأموالهم ميراثا ، لا يعرفون من أتاهم ، ولا يحفلون من بكاهم ، ولا يجيبون من دعاهم ، فاحذروا
هامش
( 1 ) جاء الكلام هذا بصورة مفصلة في كتاب ( المعيار والموازنة ) ص 50 .