أهل محلَّة موحشين ، وأهل فراغ متشاغلين ، لا يستأنسون بالأوطان ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنوّ الدّار ، وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثّرى وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، وارتهنكم ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، وبعثرت القبور * ( ( هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ورُدُّوا إِلَى الله مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ، وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) ) * ( 1 ) . أقول : حاصل الفصل النفير عن الدنيا بذكر معايبها . والجذب بذلك إلى استعمالها على الوجه المطلوب للَّه من وجودها . ولفظ الغدر : مستعار لزينتها الظاهرة المستعقبة للهلاك في الآخرة . والتارّة : المرة . والمستهدفة اى : جعلت هدفا وهو الغرض . وابعد آثارا ، اى : أبعد ان ينال أو يقدر على مثلها لعظمتها . وركود رياحهم : كناية عن سبكون أحوالهم وخمول ذكرهم . والنمارق : جمع نمرق ، ونمرقة ، وهى وسادة صغيرة . والواو : في وساكنها يشبه ان يكون للحال . والكلكل : الصدر وهو مستعار . والبعثرة : النبش والتفريق . وتبلو : تختبر .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 419
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤١٩
216 - ومن دعاء له عليه السّلام
اللَّهمّ إنّك آنس الآنسين لأوليائك ، وأحضرهم بالكفاية للمتوكَّلين عليك ، تشاهدهم في سرائرهم ، وتطَّلع عليهم في ضمائرهم ، وتعلم مبلغ بصائرهم ، فأسرارهم لك مكشوفة ، وقلوبهم إليك ملهوفة ، إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ، وإن صبّت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك علما بأنّ أزمّة الأمور بيدك ، ومصادرها عن قضائك . اللَّهمّ إن فههت عن مسألتي ، أو عميت عن طلبتي ، فدلَّنى على مصالحى ، وخذ بقلبي إلى مراشدى ، فليس ذلك بنكر من هداياتك ، ولا ببدع من كفاياتك . اللَّهمّ احملنى على عفوك ، ولا تحملني على عدلك .
هامش
( 1 ) سورة يونس - 30 .