عن المعاصي عن هرب من خوف اللَّه . وكنى باليوم وبالغد : عن الدنيا والآخرة . ونظر قدما ، اى : لم يلتفت عن اللَّه ولم يعرج على سواه ، ونسبة الاحتجاج والخصام إلى الكبائر مجاز ، ونفوذ إبليس في الصدور ونفثه في الآذان كناية : عن وسوسته ، والقائها في القلوب بصورة الالفاظ وغيرها . والموبقات : المهلكات ، وقرينته هي : النفس الناطقة . واستدراجها : اخذها بالاستغفار والوسوسة ، وهى أيضا هيئته باعتبار إحاطة المعاصي بها من قبله كما يستغلق الذهن بما عليه من المال ، وانكاره ما زيّن كقوله تعالى : * ( ( وإِذْ زَيَّنَ ، لَهُمُ الشَّيْطانُ : أَعْمالَهُمْ وقالَ ) ) * .
منها في صفة خلق الانسان : عباد مخلوقون اقتدارا ، ومربوبون اقتسارا ، ومقبوضون احتضارا ، ومضمنون أجداثا ، وكائنون رفاتا ، ومبعوثون أفرادا ، ومدينون جزاء ، ومميّزون حسابا ، قد أمهلوا في طلب المخرج ، وهدوا سبيل المنهج ، وعمّروا مهل المستعتب ، وكشف عنهم سدف الرّيب ، وخلَّوا لمضمار الجياد ورويّة الارتياد ، وأناة المقتبس المرتاد في مدّة الأجل ، ومضطرب المهل . فيا لها أمثالا صائبة ، ومواعظ شافية لو صادفت قلوبا زاكية ، وأسماعا واعية ، وآراء عازمة ، وألبابا حازمة ، فاتّقوا تقيّة من سمع فخشع ، واقترف فاعترف ، ووجل فعمل ، وحاذر فبادر ، وأيقن فأحسن ، وعبّر فاعتبر ، وحذّر فازدجر ، وأجاب فأناب ، ورجع فتاب ، واقتدى فاحتذى ، وأرى فرأى ، فأسرع طالبا ، ونجا هاربا ، فأفاد ذخيرة ، وأطاب سريرة ، وعمّر معادا ، واستظهر زادا ليوم رحيله ، ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته ، وقدّم أمامه لدار مقامه . فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه جهة ما خلقكم له ، واحذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه ، واستحقّوا منه ما أعدّ لكم بالتّنجّز لصدق ميعاده ، والحذر من هول معاده . جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها وأبصارا لتجلو عن عشاها ، وأشلاء جامعة لأعضائها ملائمة لأحنائها : في تركيب صورها ، ومدد عمرها ، بأبدان قائمة بأرفاقها ، وقلوب رائدة لأرزاقها ، في مجلَّلات نغمه ، وموجبات مننه وحواجز عافيته ، وقدّر لكم أعمارا سترها عنكم ، وخلَّف لكم عبرا ، من آثار الماضين قبلكم ، من مستمتع خلاقهم ،
اختيار مصباح السالكين — صفحة 197
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٧