ومنها في صفة خلق الانسان : أم هذا الَّذى أنشأه في ظلمات الأرحام ، وشغف الأستار ، نطفة دهاقا وعلقة محاقا ، وجنينا وراضعا ، ووليدا ويافعا ، ثمّ منحه قلبا حافظا ، ولسانا لافظا ، وبصرا لاحظا ليفهم معتبرا ، ويقصّر مزدجرا ، حتّى إذا قام اعتداله ، واستوى مثاله ، نفر مستكبرا ، وخبط سادرا ، ماتحا في غرب هواه ، كادحا سعيا لدنياه ، في لذّات طربه ، وبدوات أربه ، لا يحتسب رزيّة ولا يخشع تقيّة ، فمات في فتنته غريرا ، وعاش في هفوته يسيرا ، لم يفد عوضا ، ولم يقض مفترضا ، دهمته ، فجعات المنيّة في غبّر جماحه ، وسنن مراحه ، فظلّ سادرا ، وبات ساهرا ، في غمرات الآلام ، وطوارق الأوجاع والأسقام بين أخ شقيق ، ووالد شفيق ، وداعية بالويل جزعا ، ولا دمة للصّدر قلقا والمرء في سكرة ملهية ، وغمرة كارثة ، وأنّة موجعة ، وجذبة مكربة ، وسوقة متعبة . ثم أدرج في أكفانه مبلسا ، وجذب منقادا سلسا ، ثمّ ألقى على الأعواد رجيع وصب ، ونضو سقم ، تحمله حفدة الولدان ، وحشدة الإخوان ، إلى دار غربته ، ومنقطع زورته ، حتّى إذا انصرف المشيّع ، ورجع المتفجّع ، أقعد في حفرته نجيّا لبهتة السّئوال ، وعثرة الامتحان ، وأعظم ما هنالك بليّة نزول الحميم ، وتصلية الجحيم ، وفورات السّعير ، وسورات الزّفير ، لا فترة مريحة . ولادعة مزيحة ، ولا قوّة حاجزة ، ولا موتة ناجزة ، ولا سنة مسلية ، بين أطوار الموتات ، وعذاب السّاعات انّا باللَّه عائذون . عباد اللَّه ، أين الَّذين عمّروا فنعموا ، وعلَّموا ففهموا ، وأنظروا فلهوا ، وسلموا فنسوا أمهلوا طويلا ، ومنحوا جميلا ، وحذّروا أليما ، ووعدوا جسيما احذروا الذّنوب المورّطة ، والعيوب المسخطة . أولى الأبصار والأسماع ، والعافية والمتاع هل من مناص ، أو خلاص ، أو معاذ ، أو ملاذ ، أو فرار ، أو محار أم لا فأنّى توفكون أم أين تصرفون أم بماذا تغترّون وإنّما حظَّ أحدكم من الأرض ذات الطَّول والعرض قيد قدّه ، متعفّرا على خدّه . الآن عباد اللَّه والخناق مهمل ، والرّوح مرسل ، في فينة الإرشاد ، وراحة الأجساد ، وباحة الاحتشاد ، ومهل البقيّة ، وأنف المشيّة ، وإنظار التّوبة ، وانفساح الحوبة ، قبل الضّنك والمضيق ، والرّوع والزّهوق ، وقبل قدوم الغائب المنتظر ، وأخذة العزيز المفتدر .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 199
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٩