ولما كان من يطلب استعتابه ، ورجوعه عن غيّه ، بامهال ومداراة كانت : مهلة اللَّه سبحانه لخلقه مدّة أعمارهم ليرجعوا إلى طاعته ، تشبه ذلك فنزلت منزلته ، ونصب مهل على المصدر عن قوله : عمروا ، لانّ التعمير امهال . واستعار لفظ السدف : لما يغشاهم من ظلمة الشكوك والجهالات ، وكشفها بما وهبه تعالى لهم من العقول ، وايّدهم به من بعثة الرسل . وقوله : قد خلَّو المضمار الجياد ، اى : تركوا في الدنيا ليضمرّوا أنفسهم بازواد التقوى . واستعار لفظ المضمار ورشّح بذكر الجياد وكذلك تخليتهم لرويّة الارتياد ، اى : ليتفكَّروا في طلب ما يتخلَّصون به إلى اللَّه . وليتانّوا أناة المقتبس لأنوار اللَّه : للاستنارة بها في مدّة آجالهم ، ومحلّ اضطرابهم في مهلتهم ، وتحصيلهم لما ينبغي من الكمالات . ومن ملك من عبيده هذه الحالات ، وأفاض عليهم ضروب هذه الانعامات فكيف يليق بأحدهم ان يجاهره بالعصيان ، أو يتجاسر أن يقابله بالكفران ، وصواب الأمثلة : مطابقتها للمثل به أو كونها من شأنها ان تفعل في القلوب الذكية الواعية لها ، وشفاء الموعظة : تأثيراتها في القلوب إزالة امراض الغفلة والجهل ، وإنابة المتّعظ بها إلى ربّه ، وزكاة القلوب : استعدادها لقبول الهداية وقربها من ذلك . ووعى الاسماع : فهم القلوب عنها ، ووصفها بالوعى لقبولها الالفاظ مؤدّية لها إلى قوّة الحسّ . وعزم الآراء : توجيه الهمم إلى ما ينبغي والثّبات على ذلك . وحزامة الألباب : جودة رأى العقول فيما يختاره ، وظاهر انّ هذه الثلاثة هي أسباب نفع الموعظة . وقوله : فاتّقوا اللَّه ، إلى قوله : مقامه : امر بتقوى اللَّه تقيّة من استجمع هذه الأوصاف الثمانية عشر . واقترف : اكتسب الاثم ، واعترف اى : بذنبه وهو إنابة ( 1 ) أربابها . ووجل اى : من خوف اللَّه فعمل له . وأيقن اى : بلقاء ربّه ، فأحسن اى : عمله ، إذ كان اليقين له مستلزما لحسن طاعته . وعبّر اى : رمي بالعبر فاعتبر ، وأجاب اى : دعى اللَّه ، فأناب اليه بسرّه وامتثال امره ، وراجع اى : عقله فتاب من اتّباع شياطينه ، واقتدى اى : بهدى اللَّه فحذا حذوه ، وأرى الحق فظهرت لعين بصيرته طريق اللَّه . فرأى اى : فعرفها فأسرع فيها طالبا لما يودّى اليه ، فنجا هاربا : من ظلمات جهله وثمراته . فأفاد ، اى : فاستفاد بسلوكه ، ذخيرة لمعاده ، واطاب بسلوكها سريرته : عن نجاسات الدنيا وعمّر : بما اكتسبه
اختيار مصباح السالكين — صفحة 194
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٤
هامش
( 1 ) في ش بزيادة : إلى .