ومستفسح خناقهم أرهقتهم المنايا دون الآمال ، وشذّبهم عنها تخرّم الآجال ، لم يمهدوا في سلامة الأبدان ولم يعتبروا في أنف الأوان ، فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب الَّا حواني الهرم وأهل غضارة الصّحّة الَّا نوازل السّقم وأهل مدّة البقاء الَّا آونة الفناء مع قرب الزّيال ، وأزوف الانتقال ، وعلز القلق ، وألم المضض ، وغصص الجرض ، وتلفّت الاستغاثة بنصرة الحفدة والأقرباء والأعزّة والقرناء ، فهل دفعت الأقارب ، أو نفعت النّواحب ، وقد غودر في محلَّة الأموات رهينا ، وفى ضيق المضجع وحيدا ، قد هتكت الهوامّ جلدته وأبلت النّواهك جدّته ، وعفت العواصف آثاره ، ومحا الحدثان معالمه وصارت الأجساد شحبة بعد بضّتها ، والعظام نخرة بعد قوّتها ، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من سيّئ زللها أو لستم أبناء القوم والآباء وإخوانهم والأقرباء تحتذون أمثلتهم ، وتركبون قدّتهم ، وتطئون جادّتهم فالقلوب قاسية عن حظَّها لاهية عن رشدها سالكة في غير مضمارها كأنّ المعنىّ سواها وكأنّ الرّشد في احراز دنياها .
واعلموا أنّ مجازكم على الصّراط ، ومزالق دحضه ، وأهاويل زلله وتارات أهواله ، فاتّقوا اللَّه تقيّة ذي لبّ شغل التّفكر قلبه ، وأنصب الخوف بدنه وأسهر التّهجّد غرار نومه ، وأظمأ الرّجاء هواجر يومه ، وظلف الزّهد شهواته ، وأرجف الذّكر بلسانه ، وقدّم الخوف لابّانه ، وتنكَّب المخالج عن وضح السّبيل ، وسلك أقصد المسالك إلى النّهج المطلوب ، ولم تفتله فاتلات الغرور ولم تعم عليه مشتبهات الأمور ، ظافرا بفرحة البشرى ، وراحة النّعمى في أنعم نومه ، وآمن يومه ، قد عبر معبر العاجلة حميدا وقدّم زاد الآجلة سعيدا ، وبادر من وجل ، وأكمش في مهل ، ورغب في طلب ، وذهب عن هرب ، وراقب في يومه غده ، ونظر قدما أمامه فكفى بالجنّة ثوابا ونوالا ، وكفى بالنّار عقابا ووبالا وكفى باللَّه منتقما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما أوصيكم بتقوى اللَّه الَّذى أعذر بما أنذر واحتجّ بما نهج وحذّركم عدوّا نفذ في الصّدور خفيّا ، ونفث في الآذان نجيّا فأضلّ وأردى ، ووعد فمنّى ، وزيّن سيّئات الجرائم ، وهوّن موبقات العظائم حتّى إذا استدرج قرينته ، واستغلق رهينته ، أنكر مازيّن ، واستعظم ما هوّن ، وحذّر ما أمّن .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 198
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٨