أقول : لما تنزّه اللَّه تعالى عن العلوّ المكاني ، كما سبق فهو العلىّ باعتبار كونه ربّ كلّ شيء وموجده ، وهو باعتبار يلحقه بالقياس إلى كلّ موجود صدر عن قدرته وقوّته ، فلذلك نسب علوّه إلى حوله ، إذ ليس دنوّه مكانيّا فهو باعتبار قربه المعقول من خلقه بحيث يشاهدونه في صور طوله ، وهو : فضله وهيبته لكل مستحق ما يليق به . والمنحة : العطية .
والأزل : الشدّة . وعواطف كرمه هي : آثاره الخيريّة التي تعود على عبيده مرة بعد أخرى ، واوّلا باديا : حالان ، اما من ضمير الفاعل ، وهو الأظهر ويكون باديا مهموزا ، والمعنى : انّى اوّل ما ابدأ بايمانى به ، وامّا من الضمير المجرور وباديا ظاهرا وظاهر كون اوّليته ، ومبدأيته لخلقه وظهوره لعقولهم في جميع آثاره مبدأ الايمان به ، والتصديق بالهيّته ، وكذلك كونه قريبا من عباده ، هاديا لهم مبدأ الطلب : الهداية منه ، وقهره ، وقدرته : مبدأ للاستعانة به ، وكفايته اى : كونه معطيا لكل مستحق من خلقه ما يكفى استحقاقه ، واستعداده . ونصره لعباده : سبب توكَّلهم عليه ، وعذره : ما يشبه الاعذار إلى الخلق من النصائح الإلهية لهم . ونذره : تخويفه بالوعيد وظاهر كون انفاذ أوامر اللَّه مع الاعذار والانذار اغراضا للبعثة .
الفصل الثاني
أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الَّذى ضرب الأمثال ، ووقّت لكم الآجال ، وألبسكم الرّياش ، وأرفع لكم المعاش ، وأحاطكم بالاحصاء وأرصد لكم الجزاء ، وآثركم بالنّعم السّوابغ ، والرّفد الرّوافغ ، وأنذركم بالحجج البوالغ ، وأحصاكم عددا ووظَّف لكم مددا في قرار خبرة ، ودار عبرة أنتم مختبرون فيها ، ومحاسبون عليها . فانّ الدّنيا رنق مشربها ، ردع مشرعها : يونق منظرها ، ويوبق مخبرها غرور حائل وضوء آفل ، وظلّ زائل ، وسناد مائل حتّى إذا أنس نافرها ، واطمأنّ ناكرها : قمصت بأرجلها ، وقنصت بأحبلها ، وأقصدت بأسهمها ، وأعلقت المرء أوهاق المنيّة قائدة له إلى ضنك المضجع ، ووحشة المرجع ومعاينة المحلّ ، وثواب العمل ، وكذلك الخلف يعقب السّلف : لا تقلع المنيّة اختراما ولا يرعوى الباقون اجتراما يحتذون مثالا ، ويمضون أرسالا ، إلى غاية الانتهاء ، وصيّور الفناء .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 191
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩١