أقول : رسم الزهد بثلاثة لوازم ، وهى : قصر الأمل في الدنيا ، وشكر نعم اللَّه . والورع وهى : في قوّة خاصّة مركَّبة وفي ذكرها تنبيه على الامر بلزومها ولزوم الزهد . وقوله : فان عزب إلى آخره . يحتمل معنيين .
أحدهما : انّه ان بعد عليكم وشقّ استجماع هذه الأمور الثلاثة فالزموا منها الورع وفسّره : بالصبر لانّه من لوازمه ، ثم الشكر وكانّه رخّص لهم في طول الأمل لما يتصوّر فيه مما ينبغي من عمارة الأرض لغرض الآخرة ولانّ قصر الأمل أكثر ما يعرض من غلبة الخوف على القلب ، والالتفات عن الدنيا بالكليّة وذلك غير مراد للشارع من كل الناس .
الثاني : يحتمل ان يكون لما فسرّ الزهد باللوازم الثلاثة في معرض الامر بها ، قال بعدها : ان صعبت عليكم هذه فاعدلوا إلى ما هو أسهل منها . وهو الصبر عن المحارم عوضا عن تمام الورع وهو لزوم الاعمال الجميلة والتذكر لنعمة اللَّه عند وقوعها لغرض شكرها ، بحيث لا ينسى بالكليّة عوضا من دوام الحمد والثناء . وقوله : فقد اعذر ، اى : اظهر عذره إليكم . ومسفرة : مشرقة .
79 - ومن كلام له عليه السّلام في صفة الدنيا
ما أصف من دار أوّلها عناء ، وآخرها فناء ، في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها واتته ، ومن أبصر بها بصّرته ، ومن أبصر إليها أعمته .
( قال الشريف : أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله عليه السّلام « من أبصر بها بصرته » وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد مالا تبلغ غايته ولا يدرك غوره ، ولا سيما إذا قرن اليه قوله « ومن أبصر إليها أعمته » فإنه يجد الفرق بين « أبصر بها » و « أبصر إليها » واضحا نيّرا وعجيبا باهرا . )