أقول : العناء : التعب وقد ذكر الدنيا في معرض ذمّها والتفسير عنها أوصافا عشرة : اوّلها إشارة إلى زمان الوجود فيها ، وعناء الانسان فيها ظاهر . والفتنة : الابتلاء وهو من لوازم الغنى فيها ، ومساعاتها : استعارة كانّه مع حرص طالبها عليها وتعسّرها عليه كالهاربة منه سعيا وهو ساع في طلبها ، وأقوى أسباب فواتها لطالبها انّ أكثر ما يكون تحصيلها بمنازعة أهلها ، ومجاذبتهم ايّاها ، وذلك مما يوجب تفويت بعضهم لها على بعض . ولما كان هذا السبب مفقودا في حق من قعد عنها كان فواتها اقليّا له ، وفواتها وامكانها اكثريّا كما في حق الزاهدين فيها ، واقبال الخلق والتقرّب بها إليهم . وقوله : ومن أبصر بها بصرته ، اى : من جعلها سبب هدايته ، ومحلّ ابصاره بعين عقله ، استفاد منها البصر والهداية . وقوله : من ابصر إليها اعمته ، اى : من مدّ إليها بصر بصيرته محبة لها اعمته عن ادراك أنوار اللَّه ، وهو كقوله تعالى : * ( ( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه أَزْواجاً مِنْهُمْ ) ) * ( 1 ) الآية وقد ظهر الفرق بين قوله : ابصر بها ، وابصر إليها . ومدح السيد لهذا الفصل ظاهر الصدق وباللَّه التوفيق .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 190
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٠
80 - ومن خطبة له عليه السّلام وهى من الخطب العجيبة وتسمّى الغرّاء
اعلم أنّ في هذه الخطبة فصولا :
الفصل الأوّل
قوله : الحمد للَّه الَّذى علا بحوله ، ودنا بطوله ، مانح كلّ غنيمة وفضل ، وكاشف كلّ عظيمة وأزل أحمده على عواطف كرمه ، وسوابغ نعمه ، وأومن به أوّلا باديا ، وأستهديه قريبا هاديا ، وأستعينه قادرا قاهرا ، وأتوكَّل عليه كافيا ناصرا ، وأشهد أن لا إله الَّا اللَّه الَّذى رفع السّماء فبناها وسطح الأرض فطحاها ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم ، وأشهد أنّ محمّدا - صلَّى اللَّه عليه وآله - عبده ورسوله ، أرسله لإنفاذ أمره ، وإنهاء عذره ، وتقديم نذره .
هامش
( 1 ) سورة الحجر - 88 .