كان يتعاطى علم النجوم ، واعلم انّه يعقل من نهى الشريعة عن تعلَّم النجوم أمران : أحدهما ، انّ أكثر المشتغلين بها والطالبين لمعرفة احكامها يعتمدون فيما يرجون ويخافون عليها ويفزعون إلى ملاحظة أوقاتها ، فينقطعون بذلك عن الالتفات إلى اللَّه تعالى والفزع اليه ، وذلك عمّا يضاد مطلوب الشارع إذ كان غرضه الاوّل ليس الَّا دوام التفات الخلق اليه . الثاني ، انّ الاخبار منها عمّا سيكون في المستقبل يشبه علم الغيب ، وأكثر الخلق من العوام لا يميّزون بينهما فيكون ذلك سببا لضلال الخلق ، وضعف اعتقادهم في المعجزات ، إذ الاخبار من الأنبياء عليهم السّلام عما يكون منها ويستلزم تشكيكهم في قوله تعالى : * ( ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله ) ) * ( 1 ) وكان هو السبب في تحريم الكهانة والسحر أيضا ، والعقل أيضا يطابق الشرع في تكذيب المنجّم في كثير من احكامه ، فانّه قد ثبت في القواعد العقلية انّ كل كائن فاسد في هذا العالم فلا بدّله من أسباب أربعة : فاعلىّ : وغائىّ ، وقابلىّ ، وصورىّ . ثم القابلىّ مشروط في قبول كلّ حادث بشرائط فلكية وعنصريّة مما لا يتناهى ويمنع اطَّلاع العقول البشريّة عليها ، واحاطتها بها ولانّ حساب المنجّم مبنىّ على قسمة الزمان بالشهر واليوم والساعة والدّرجة واجزائها وتقسيم الحركة بإزائها ورفعة بينهما نسبة عدديّة . وكلّ ذلك أمور غير حقيقيّة وانّما يوجد على سبيل التقريب ، أقصى ما في الباب انّ التفاوت بينهما لا يظهر في المدد المتقاربة لكنّه يشبه ان يظهر في المدد المتباعدة ومع تجويز التفاوت كيف يمكن الحكم كليّا أو جزئيا إذا عرفت ذلك فنقول : انّه عليه السّلام الزمه فيما يدعيّه الزامات شنيعة نفّر بها عن قبول قوله : أحدها قوله فمن صدّقك إلى قوله : القرآن وهو : صغرى ضمير تقدير كبراه ، وكلّ من كذّب القرآن : كان كاذبا بيان تكذيبه انّ المنجّم إذا ادعىّ انّه سيقع كذا في وقت كذا كان ذلك مكذوبا لقوله : * ( ( إِنَّ الله عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) ) * ( 2 ) الآية . الثاني ، استغناء مصدّقه عن الاستعانة باللَّه ، فيما يهمّه من مخوف أو مرجوّ وذلك
اختيار مصباح السالكين — صفحة 186
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٦
هامش
( 1 ) سورة النمل - 65
( 2 ) سورة لقمان - 34 .