أنّ هذه الأوامر الثلاثة هي الَّتى عليها مدار الرّياضة . فالأمر بالتّقوى يستلزم الزّهد الحقيقي ، وهو معين على حذف الموانع الدّاخلية والخارجيّة ، والامر بسلوك سبيل اللَّه معين على تطويع النّفس الأمّارة ، والأمر بالفرار إلى اللَّه امر بتوجّه السّير اليه ، وهذه الاعراض الثّلاثة الَّتى يتوجّه نحوها الرّياضة المستلزمة لكمال الاستعداد للوصول اليه تعالى ، ولذلك قال عليه السّلام بعدها : فعليّ ضامن لفلجكم آجلا ان لم تمنحوه عاجلا .
والفلج : الفوز ، والمنحة : العطيّة ، وذلك بشرط الاستعداد بلزوم الأوامر المذكورة .
24 - ومن خطبة له عليه السّلام
وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن ، وهما عبيد اللَّه بن عباس ، وسعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة ، فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرّأى ، فقال : - ما هي إلَّا الكوفة أقبضها وأبسطها ، إن لم تكوني إلَّا أنت تهبّ أعاصيرك . فقبّحك اللَّه . وتمثّل بقول الشّاعر :
لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني
على وضر من ذا الإناء قليل
ثم قال عليه السّلام : أنبت بسرا قد اطَّلع اليمن ، وإنّى واللَّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم : باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته اللَّهمّ إنّى قد مللتهم وملَّوني وسئمتهم وسئموني ، فأبدلنى بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرّا منّى ، اللَّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما واللَّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم .