هذا الفصل ردّ لقول من يقول انّ مصانعته عليه ( 1 ) السّلام لمحاربيه أولى من محاربتهم ، فقال : انّه ليس يجب عليّ في قتالهم مصانعة من جهة الدّين ولا في ضعف عن ذلك ، ووصفهم بمخابطة الغيّ والبغي لقيام عذر ، إذ كان قتال من هذه صفته واجبا . والفرار إلى اللَّه : الأقبال عليه وتوجيه السّير اليه وهو على مراتب : اوّلها ، الفرار من بعض آثاره إلى بعض كالفرار من أثر غضبه إلى أثر رحمته . الثّانية ، أن يفرّ العبد عن مشاهدة الافعال ويترقّى في درجات القرب والمعرفة إلى مصادر الافعال ، وهى الصفات فيفرّ من بعضها إلى بعض كما يستفاد من سخط اللَّه بعفوه والسّخط والعفو صفتان . الثالثة ، أن يترقّى عن مقام الصّفات إلى ملاحظة الذّات فيفرّ منها إليها ، وقد جمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله هذه المراتب حين أمر بالقرب في قوله تعالى : * ( ( واسْجُدْ واقْتَرِبْ ) ) * ( 2 ) فقال في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك . والعفو كما يكون صفة للعافى كذلك قد يراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو . ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهدة الأفعال وترقّى إلى مصادرها وهى الصّفات ، قال : وأعوذ برضاك من سخطك ، وهما صفتان . ثمّ لمّا ترقّى عن مقام مشاهدة الصّفات واقترب إلى ملاحظة الذّات ، قال : وأعوذ بك منك . وهذا فرار منه اليه ، وهو مقام الوصول إلى ساحل العزّة . ثم للسّباحة في لجة الوصول درجات أخر لا تتناهى . ولذلك لمّا قرب ازداد صلَّى اللَّه عليه وآله قربا ، قال : لا احصى ثناء عليك ، وهو حذف لنفسه عن درجة الاعتبار واعراض عن التّبجح بزينة الحقّ في ذاته ، وكان قوله بعد ذلك : أنت كما أثنيت على نفسك ، كمالا للإخلاص وتجريدا له ، وعند ذلك يقول : إنّ قوله عليه السّلام : وفرّوا إلى اللَّه من اللَّه : امر بالتّرقّى إلى المرتبة الثّالثة من المراتب المذكورة . وما نهجه لهم وأوضحه : هو السّبيل العدل ، والصّراط المستقيم ، وقد علمت انّ غاية سلوك سبيل اللَّه بالعبادة تطويع النّفس الأمّارة بالسّوء للنّفس المطمئنّة ، وحينئذ تعلم
اختيار مصباح السالكين — صفحة 125
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٢٥
هامش
( 1 ) في ش بزيادة : الصلاة
( 2 ) سورة العلق - 19 .